كيف نُشكل فريقاً تدريبيّاً مميّزاً؟

بقلم ميس العرقسوسي

للورشة التعلميّة أو التدريبة عناصر عديدة منها: المشاركين، فريق التدريب، المُحتوى، وتصميم البرنامج، وانسجام هذه الأمور معاً وتوافقها. كلّها أمورٌ تساهم في جعل الورشة إمّا ناجحة ومميزة، وإمّا صعبة وغير ملائمة. ولقد اخترت أن أطرح تأملا أكثر تخصصاً، يحاكي جانباً واحداً، ألا وهو فريق المدربين. اخترت هذا الجانب لأّنه على عكس العناصر الأُخرى قد لا يختلف اختلافا جذريّا مع اختلاف السياق، وإنمّا يمكّننا استنباط  دروس من  بعض التجارب التي خضناها دون أن يكون شكل المقال حالة دراسية محددة السياق.

وأود هنا أن أشارككم بعض الأفكار المبنية من تأمل مرتبط بورشات عمل التنظيم المجتمعي بشكل محدد، والمقدمة من فريق تدريب من ثلاث مدربين على الاقل وليس مدرّب واحد.

بالتأمل في تجربتي خلال الأعوام الماضية، والتفكير بالورشات التي تميّز عمل فريق التدريب فيها، ومن خلال مقارنة التجارب لمحاولة استكشاف أسرار هذا التميز، توصلّت إلى أنّ عناصر الفريق التدريبي المميز بالنسبة لي تشكلت بالأساس في مزيج من ستة عناصر، هي:

 الحضور واليقظة

التعلم

الحرفية النابعة من الثقة بالمشاركين

المرونة

الثقة

خلف الكواليس

علماً أنّ العناصر متداخلة وبعضها لا يتحقق إلّا بوجود العنصر الآخر، ولكنني سأتحدث فيما يلي عن كل واحدة على حدى:

الحضور واليقظة :

حضور فريق المدربين بوعيٍcolla-learning وإدراكٍ هو أمر في غاية الأهمية. خصوصاً المُدّرب المسؤول عن الورشة وعن دعم الفريق التدريبي. وبالحضور أعني بأن يكون حاضراً بالقيم، والتصرف، والقرارات، والتأمل المستمر. ومن الأمور الأساسية والمهمّة استنباط تعلم من التجربة. في حضوره هو وعيه  لأثر القرارات وتنوعها في توجيه طاقة الورشة. الحضور واليقظة كفعل يبدوان كمسار متكامل، ويتطلبان خبرة تدريب وثقة في المحتوى والذات. يبدأ المسار بأن يكون المدرب يقظاً لما يحصل كفعل في قاعة التدريب إدراكاً عميقاً، لا أن يكون واعياً فقط لما يحصل على مستوى الفعل، ولكن بُعد ذلك قيميا او تعلميا. يعني مثلا في لحظة توتر المشاركين أمام  لحظة اتخاذ قرار ما، مجرّد ادراك وجود توتر هو أمر هام جدا، ولكن الأهم تيقظ المدرب لاختيار الية مناسبة لادارة هذا التوتر باسلوب ينمذج القيم التي نصبو لها في تلك اللحظة ويمكن المشاركين  من استنباط تعلم من التجربة.

حتى يكون لهذا الحضور فائدة فإنّ معرفة المدرب لخيارات محددة يمكن تعديلها، او ابتكاره لأمور لإنقاذ انحدار الطاقة، أو استثمار لحظة تعلمية، او تعديل مسار العمل، وبناءاً على تأمله وتحليله في تلك اللحظات، مع ثقته بقدرته على تملك الهدف التعلمي ولو بتغيير الأسلوب، سيتجرأ بأخذ قرار قد يغيّر البرنامج، ومن ثم  يكون يقظاً مجدداً للعودة إلى المسار. فهي عملية من اليقظة والذكاء وسرعة البديهة في لحظة التدريب، ولربما عملية تأمل تشاركي عندما لا يكون الأمر ملحا، ويتحمل الإنتظار للقرار مع فريق التدريب.

مثال: في احدى الورشات واجهنا بعض الثغرات المتكررة في الحوار الجماعي في القاعة، تكررت المداخلات الهدامة و الحوار الغير بناء. مع وعينا لصعوبة تيسير هذه الحوارات في كل مرة لم نكن يقظين كفاية كفريق  للتدخل بالشكل المناسب لإنقاذ اللحظات أو أخذها لتعلم أعمق أو حماية الأفراد. أما في مثال لتجربة تدريب اخرى، كان لتواصلنا الدائم مع المشاركين وادراكنا لأهمية وجود جلسة تمكين وقصص لم يكونا ضمن الاجندة المصممة ، قررنا معا القيام بجلسة مسائية اختيارية مما أغنى الورشة وساهم في وجود تفاعل كبير بين المشاركين، وتكوين التقاء قيمي بين المشاركين .

التعلم:

لأننا نخوض كمدربين تجارب عديدة، فإنّ تميز تجربة ورشات العمل من حيث “التعلم” يصبح مع الوقت أصعب وأكثر أهمية لتحفيزنا وزيادة دافعيتنا.وجود فرص للتعمق في المعرفة، وخوض نقاشات تطور فهمنا بالعمق، هي ما يجعل تحضير المدربين قبل الورشة أوالعمل  خلال الورشة ذاتها مميزاً. فالموضوع ليس بكمية المعلومات التي تطرح أو تعطى، وإنما أي الأمور نغوص في العمق لفهمها وتحليل تفاصيلها. ومن الأمور التي تساعد على حصول ذلك وجود وقت للحوار مدرج بشكل قصدي على أجندة العمل، وليس متقطع أو قصير خلال الورشة أو خلال جلسات تحضير المدربين للورشة.

قيمة التعلم تتطلب تغيير البرنامج لاستكمال هذا الحوار حتى نصل لعمق بدون بتره لغايات الوقت. ومن الأمور التي تجعل حصول هذا العمق ممكناً هي قدرة المدرب وجاهزيته على تحفيز التفكير الناقد والمعمق، وتوجيه اسئلة ناقدة، ووجود آلية رصد للتعلّم  تُثمّن وتضيء على تعلم الافراد.

الحرفية النابعة من الثقة بالمشاركين:

business people connected by color lines

من تجربتي في المرات التي استثمرنا فيها أنفسنا للقضية، أو المشاركين، أو الإثنين معا قدمنا مستوى أداء متميز. ظهر منا التزام أعلى بالحرفية، و براعة نابعة من الدافعية للقضية أو المشاركين. الإهتمام بالإرتقاء بمستوى التدريب هي قيمة مهمة أعتقد أن فريق التدريب يصبوا لها أكثر كل ما زادت ثقته بقدرة المشاركين وجديتهم. عودةً إلى التجارب التي كان فيها  الميسر غير مؤمن بقدرة المجموعة، أو يشعر بضعفهم، وعدم جديتهم، او عدم مناسبة التدريب لهم، كل هذا كان يجعله  يبث طاقة غير بنّاءة مع المجموعة، ويضعف رغبته بالاستثمار بهم، وبالتالي يؤثر سلبا على  اداءه ودافعيته للتميز. ومن هذه الفكرة استنبط ثلاثة دروس:

١) جزء من مسؤوليتنا كفريق للتدريب، هو تمكين زملاءنا المدربين من إدراك معنى وارتباط شخصي مع القضية او المشاركين يجعل التزامهم ووقتهم في الورشة له أهمية على المستوى الشخصي لهم. كمدربين تنظيم مجتمعي من المهم جدا أن يكون انخراطنا في ورشة ما كمدربين ليس ذهنيا فقط لمعرفتنا بأهمية هذا النهج للمجموعة وانما ارتباطا قيميا يجعل التوق للحرفية نابع من التزام شخصي بالاضافة للمهني. قد يبدأ هذا بالتشكل عند تكوين قصصنا المرتبطة بالقضية، ولكن من المهم تعزيزه في لحظات الإحباط خلال الورشة، وأهمية بث روح الإيمان بقدرة المشاركين خلال الورشة للإرتقاء بمستوى التدريب. القيام بذلك أولا  لدعم المدرب نفسه لأن الأداء المتميز للمدرب يعزز ثقته بنفسه، ويعم¬ق تعلمه ومن ناحية أخرى أيضا لإعطاء حق التعلم لأي مشارك فاعل في المجموعة، حتى وإن كانوا المشاركين يعانون من تحديات في الورشة. هذه الالية تعيدنا مجددا لجوهر عملنا وهو تمكين الآخر، وهنا التمكين لا يقتصر عالمهارات وانما الدافع الشخصي والفكري للعمل. نمذجة ذلك مع المدرب وليس فقط المشاركين هو أمر أجده في غاية الاهمية.

٢) اختيار مدربين مرتبطين بالقضية له دور أساسي في تحقيق هذه الفرضية. في حال كان المدرب من أهل القضية بشكل مباشر، أو غير مباشر، فهذا يعزز ارتباطه القيمي بالورشة والمشاركين. في حال لم يكن المدربين من أهل القضية، فنتوجه لاختيار مدربين مرتبطين بالموضوع، ليساعدهم على العطاء بشغق وليساهم في فهمهم للسياق وبالتالي يسهّل عليهم تيسير الجلسات وطرح اسئلة تحفّز النقاش العميق، فمثلا نحّبذ اختيار ميسيّرة مهتمة بحقوق المرأة او متطوعة في هذا المجال لتكون ضمن فريق تدريبي لورشة حول تعزيز القيادة النسوية.

٣) يكون الابداع أحياناً حلاً لتحدي فريق المشاركين: قد يكون أحد تحديات فريق معين هو عدم مواءمة الورشة لما يحتاجه مشاركي هذا الفريق من مهارات. أوعدم استعدادهم بعد لهذه المرحلة من العمل الجماعي. يقع هنا على عاتق المدرب التشخيص الذكي لما يمكن فعله، بدلا من الجلسة المحددة والمعدة مسبقا، وذلك  ليستثمر وقته ووقت الفريق بتعلم مفيد.

المرونة:

لكي يستطيع المدرب أن يتحلّى بالمرونة من المهم أن يكون مسيطراً على المادة ومتمرساً في التدريب. لأن إحساسه هو ما سيمكنّه من اتخاذ قرارات قد تغيّر مجرى الورشة بثقة. وبالتالي المرونة صفة مهمة جدا لتجسيد اليقظة، وإدراك الأمور خلال الورشة . ولا يمكن لمدرب يقظ التعاطي مع ما يشاهد، أوما يختبر في الورشة بطريقة فعلية دون أن يكون مرناً أو لديه مساحة للمرونة. المرونة المحبذة هي التي تأخذ التدريب الى مكان أفضل، دون التخلي عن تحقيق الأهداف التعلمية لعدم فقدان الثقة بالمدرب لتحليه بهذه الصفة.

ثقة بفريق التدريب:

700dog12

أجمل التجارب التي اختبرتها، هي تجارب يتحلى فيها فريق التدريب بالثقة بقدرة الفريق على التواصل والتحاور للتعاطي مع تحدي.

مع أهمية القيادة الترابطية، وقدرة الفريق على أن يكون فعّالا وأعضاؤه منجزين لمسؤولياتهم بفعالية، فإن اهتمام الفريق بالتعاطي مع التحديات والنقاش فيها لاتخاذ القرار، وقدرتهم على أتخاذ قرارات حكيمة لتحقيق الهدف بفعالية هو أمر مهم.

وأجد بعض الفِرق أكثر قدرة على ذلك، حيث تنمو ثقتهم ببعض فلا يصبح نقاش الفريق فقط لطرح المشاكل، وانما لاقتراح الحلول، والتغيير بناءً عليه. فهي صفة مرتبطة بقوة باليقظة والمرونة معاً. وهذه الحالة هي التي تجعلني كمدربة عندما أواجه تحدي ما أحضره معي الى المجموعة للحوار دون تردد، فلا أقوم بقرار فردي لثقتي بأن الحوار الجماعي سيؤدي الى نتيجة قيمة. الثقة تُبنى مع الوقت، وبالتالي فإن تكرار التجارب مع مدربين أثبتوا قدرتهم الجماعية على التعاطي مع التحديات تجعل الثقة تنمو.

خلف الكواليس:

واخيراً وليس آخراً، من المهم الاشارة الى أن ديناميكية الفريق التدريبي، وتجانس طاقة أعضاء الفريق معاً هي أمر مهم للغاية. حيث ان اي توترات فردية بين أعضاء الفريق، ستؤثر سلباً على الاداء العام للورشة حتى لو تمتع المدربين بمهنية عالية، بالإضافة الى استقبال المشاركين لهذه التوترات وأثرها عليهم.. وبالتالي فان فريق تدريبي متجانس -إما لوجود علاقة صداقة، أو لاعتيادهم على العمل معاً- من تجارب سابقة يظهر كفاءة اعلى. أو يعكس روح الفريق بشكل أجمل. هذه العلاقات تبنى أحياناً بشكل اجتماعي، وتعزز باتفاق الفريق على أعراف عمل تؤسس للتعاطي مع التوترات، وللحظات الفرح والدعم بين أعضاء الفريق، تذكروا دوما أن ما يحصل خلف الكواليس حتى وإن لم يكن مرئيا، الا ان طاقته تبث أمام الجمهور.

 

 

 

كيف يكون التدريب مكوناً مهماً من مكونات التغيير الاجتماعي؟