https://ahel.org/wp-content/uploads/2024/02/header-scaled.jpg
https://ahel.org/wp-content/uploads/2024/06/long-articles-main-image-02-1.png

قوة الناس في مراكمتها وتقاطعها: الحراك النسوي الفلسطيني

نظرة سرديّة على حملة «أمي أردنية وجنسيتها حق لي»

يعتقد الكثير من الناشطين والقياديات أنّ قوة الناس مرتبطة ارتباطاً حصري ببروز نتائج آنية للحراك المطلبي، وتغيرات سريعة على مستوى السياسات والمجتمع، أو أنّ هذه القوة تظهر فقط في مشاهد الجموع والحشود الغفيرة في المظاهرات والميادين. في هذا المقال نقدم طرحاً توسيعياً لمفهوم قوة الناس ونجادل -عبر استعمال قصاصات ومقتطفات من الإعلام المقروء والمرئي والمسموع- أنّ قوة الناس تظهُر أيضاً بتراكم الحراكات والتنظيمات المجتمعية غير الرسمية. من خلال تفحّص تجارب نسوية متعددة في فلسطين، نرى أنّ للناس تأثير مركب ومتفاقم، يشبه كرة الثلج في بداية تدحرجها، قد تبدو بالظاهر ضعيفة ومفككة، ولكنها عبر تقاطعاتها وتشابكاتها تكبر وتبني على خطابات كُلٍّ منهم لتحفّز التغيير رويداً رويدا، خاصةً تحت وطأة احتلال وبُنى مجتمعية راسخة لا يكفي العمل الجماعي بتغييرها فحسب، بل بتكدس وتنوع الخطابات والتكتيكات والاستراتيجيات لمجابهتها.

فلسطين: قضية نسوية

تتعرض النساء في كل أنحاء العالم إلى عنف ممنهج من قبل الأبوية والذكورية المتأصلة في البُنى القانونية والسياسية والاقتصادية، العالمية منها والمحليّة. المرأة الفلسطينية ليست مستثناة من هذه الأنماط القمعية، بل وتتضافر عليها هذه القوى ضمن إطار استعماري احتلالي يضيف على قمع مستوياتٍ جديدة تجعل من واقعها التحرري النسوي أكثر تعقيداً وتشابكاً.

تطرح نسويات فلسطينيات عمق القضية النسوية الفلسطينية وأساليب تقاطع الأبوي مع الاستعماري وتكالب المفهومان على المرأة الفلسطينية في هذه الحلقة من بودكاست «عيب»، مما يجعّل قضية التحرر الفلسطيني قضيةً نسويةً كذلك:

مسموع: فلسطين قضيّة نسويّة

ما بين العنف الاستعماري، والعنف القانوني، والعنف الأبوي، خرجت مجموعة من الحملات النسوية الفلسطينية المتنوعة التي موضعّت المطالبات التحررية النسوية ضمن أشكال متنوعة من النضال والتنظيم المجتمعي. منها المُمأسس ضمن المجتمع المدني الفلسطيني، ومنها العابر للحدود، ومنها من يعتمد على الفضاء الرقمي بشكل خاص.

إرادة: تحالف حقوقي على مستوى السياسات

رغم سياق قانوني فلسطيني مدوّن في وثيقة الاستقلال والقانون الأساسي يضمن مساواة الفلسطينيين والفلسطينيات أمام القانون والقضاء دون تمييز على أساس العرق أو الجنس أو اللون أو الدين أو الرأي السياسي أو الإعاقة، ومصادقة السلطة الفلسطينية على اتفاقية سيداو (اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة)، يعتبر الائتلاف النسوي للعدالة والمساواة «إرادة» أنّ حقوق الفلسطينيات في المواطنة المتساوية، إن كان في الطلاق، أو الحماية القانونية من الزواج قاصرات، وقدرتهن على فتح حساب بنكي لأطفالهن أو إصدار جواز سفر لهم أو حتى نقلهم من مدرسة إلى أُخرى ما هي إلّا حقوق “تُنتَزَع انتزاعاً” عبر النضال والحملات المستمرة.

“وأضاف إئتلاف “إرادة” أن هذا الحراك والحملات المتعاقبة تنطلق من “إيماننا العميق أن حقوقنا تُنتَزَع انتزاعا”، وأن المراهنة يجب أن تكون على الإرادة الشعبية والنسوية في إحداث التغيير وتحقيق الإنجازات وليس المراهنة على الإرادة السياسية للحكومات المتعاقبة وصانع القرار الفلسطيني، كون هذه الإنجازات أتت نتيجة حراكات الضغط والتأثير لحراك إرادة مع مجموع الحركة النسوية وليست توجه استراتيجي ممنهج من قبل صانع القرار

ركّزت إحدى حملات «إرادة» تحت مسمى “نحن مواطنات” على حقوق المرأة في الوصاية الكاملة على أبنائها، وخرجت النساء الفلسطينيات في وقفات مختلفة، إحداهم موثّقة في هذا الفيديو التي تتحدث فيه إحدى الموجودات في الاعتصام عن مطالب الحملة:

فيديو: حملة “نحن مواطنات”

بعد تكاتف الجهود المؤسسية والتنظيمية، أصدر رئيس السلطة الفلسطينية محمود عبّاس قراراً بقانون أجاز فيه للأم فتح حسابات مصرفية لأبنائها القاصرين، والإيداع فيها والسحب منها وإغلاقها، حسب الوكالة الفلسطينية الرسمية (وفا)، وأصدر أيضاً قراراً بقانون حدد فيه سن الزواج للجنسين بثمانية عشر عاماً، ويستثنى منه حالات محددة بقرار من المحكمة المختصة.

رغم معالجة هذا المرسوم بعض القضايا النسوية التي طالبت بها الحملات المتنوعة، إلّا أنّه لم يمكن كافياً أو يماثل تطلعات الحراكات النسوية:

“[المرسوم] يعد خطوةً إيجابية على طريق إرساء حقوق المرأة المتساوية في مختلف الميادين إلا أنها غير كافية نسبةً للجهود المتراكمة التي يبذلها حراك إرادة ومجموع الحركة النسوية الساعية لإحداث تغيير جوهري واستراتيجي لرفع التمييز عن النساء الفلسطينيات… وأوضح الائتلاف أنه سيستكمل الضغط من أجل تحقيق مطلب حملته الثانية المتعلقة بإلغاء الطلاق التعسفي وجعله من خلال المحكمة، وفي الوقت ذاته بدأ التحضير منذ وقت لإطلاق حملته الثالثة المتعلقة بالاعتراف بأهلية المرأة وإلغاء الولاية عن المرأة إلغاءً كاملا”.

لا يمكن اعتبار هذه التغيرات إلّا الخطوات الأولى التي تُرسي خريطة الطريق أمام التغيير الأوسع والأكبر الذي تعمل هذه الحراكات على تعريفه وتخيله وتطويره ما دامت مستمرة في عملها مع أهل القضية ولو كان ذلك بالتنظيم المؤسسي أو ذاك العابر للحدود.

طالعات: نسوية فلسطينية عابرة لشقوق الاحتلال والحدود

بالتوازي مع نضال «إرادة» ضمن الوسط القانوني الفلسطيني، خرجت أصوات نسوية فلسطينية من الداخل المُحتل تتعامل مع الشأن النسوي بشكله المجرّد من الحدود والسياقات القانونية، بل بتقاطعيته مع التحرر الوطني الأشمل من الاستعمار الاستيطاني.

في الخامس والعشرين من أيلول سبتمبر عام ٢٠١٩، ظهرت حملة «طالعات» الفلسطينية بعد سلسلة جرائم وحشية موجهة ضد النساء كانت آخرهم قبل إطلاق الحراك مقتل الشابة يارا أيّوب على يد شقيقها ووالدها في حيفا. رافعات شعار “لا وجود لوطنٍ حُرّ، إلّا بنساءٍ حُرّة”، بدأت «طالعات» بحملة إلكترونية ترفض جميع أشكال العنف ضد النساء وتربط التحرر الفلسطيني العابر للحدود الجغرافية والسياسية بحريّة النساء:

“اختارت المجموعة أن يرافق الحملة الإلكترونية حراك في الشارع، هنالك أداء أساسي تحمله المجموعة بإعادة الاعتبار للشارع/ للفضاء العام، بأنه يحمل الصلة الأقوى بالجماهير، امتداداً لما يمكن للفضاء الرقمي أن يفعله وفعله، بتشكيل مساحة تشعر النساء الفلسطينيات والعربيات فيها بأنهن لسن لوحدهن في هذه المعركة على حيواتهن، هن وأخواتهن من النساء، كما وإعادة الاعتبار للمبدأ الأساسي: أننا كشعوب لن نكون أحراراً إلا لو عاشت النساء حرية امتلاك أجسادهن وأفكارهن وقراراتهن. وهذا يمشي يداً بيد مع الحراك في المنطقة العربية، خاصّة ما بعد الثورات العربية”.

استمرت الحملة بتنظيم النساء في مسيرات في فلسطين كُلّها، من حيفا… 

فيديو: ساحة السجن حيفا 26 9 2019 #طالعات

فيديو: مظاهرة في حيفا بتنظيم من “طالعات”

…إلى رام الله.

فيديو: مسيرة طالعات بمدينة رام الله

ولبت نساء فلسطينيات في الشتات نداء الحراك وبدأت مجموعات متنوعة بأخذ الشعار والدعوة وبالتنظيم تحت رايةٍ واحدة إن كان في عواصم أوروبية مثل برلين ولندن، أو عربيّة مثل عمّان وبيروت.

فيديو: طالعات بيروت

صورة: من مظاهرة عمّان

واظب حراك «طالعات» بعقد النشاطات والاعتصامات والمظاهرات خلال عام ٢٠١٩، ونظّم الوقفات التي أعلت من صوت الأسيرات الفلسطينيات في العواصم والمدن في جميع أنحاء العالم منهنّ خالدة جرار، ميس أبو غوش، سماح جرادات والأسيرة الأردنية في سجون الاحتلال آنذاك هبّة اللبدي، والتي قادت إضراباً عن الطعام أدى -إلى جانب تعالي الأصوات الفلسطينية والأردنية- إلى تحريرها من أسرها وإعادتها حُرّة إلى الأردن.

في وجه الاحتلال: المرابطات على الفضاء الفعلي والرقمي

نشطت المرأة المقدسية في العمل الجماعي المُنظّم على عدّة محاور نضالية، من الممكن أبرزها هو حراك المرابطات عند المسجد الأقصى: هذه المجموعة النسائية الواسعة التي تستعمل فيها النساء وجودهم الفيزيائي في ساحات الحرم الشريف لمناهضة توغل الاحتلال وتهويده الممنهج للمقدسات  الإسلامية.

تقول هنادي الحلواني، المرابطة المُبعدة عن المسجد الأقصى، إنّ ما بين عام ٢٠١١ و٢٠١٥، ازداد عدد المرابطات من ٥٠ إلى ٦٥٠ يتهافتون إلى الباحات من القدس ومن الداخل المحتل مِن شمال فلسطين إلى جنوبها، ويمارسون أشكالاً مختلفة من النضال لمنع اقتحامات المستوطنين والجنود ومحاولات تقسيم الحرم مكانياً وزمنياً، مِنها حلقات التعلّم والذكر، تناول الطعام جماعةً، التكبير والهتاف والتصدّي لصلاة المستوطنين، خاصةً عند باب الرحمة، بوجوهنّ كنساء يكبرات أمامهن.

فيديو: المرابطات في الأقصى والمجتمع مع هنادي الحلواني | بودكاست تقارب

ولربما أكبر برهان على فاعلية وقوة المرابطات في النضال والحشد يأتي من شدّة قمع سلطات الاحتلال لهنّ واقتحام بيوتهنّ ومنعهنّ من السفر والحركة واعتقالهنّ وتهديدهنّ، بوتيرة، ترى هنادي الحلواني، أنّها أشدُ وطأة مما كان يتعرض له الرجال المرابطون، كون التنظيم النسائي كان يخلق طرقاً مستترة ومتخفية ليمارس أنشطته، ما أوجدَ هاجساً عند الاحتلال لتلقين النساء درساً قاسياً وجعلهنّ عبرة خوفاً من توّسع نشاطهنّ الفعّال.

لم تتنحَّ المرابطة جانبا، بل واصلت طريقها في الرباط على الأبواب مما جعلها عرضة لاعتداء وحشي في نفس التاريخ بعد عامين، أدى إلى كسور في الفك والأسنان ورضوض بكافة أنحاء الجسم.

في عام ٢٠١٩، ومن القُدس، نشأت حملة نسائية تُعنى بواقع المرأة المقدسية تحت الاحتلال بعنوان «كُلنا مريم»، “مريم” رمزٌ لكل النساء المقدسيات الاتي يتعرضنّ للقمع والتنكيل والأسر من قبل الاحتلال تهدف الحملة إلى تسليط الضوء على المعاناة هذه عبر وسائط الفضاء الرقمي العالمي واستعمال تكتيكات غرف التغريد والعواصف الإلكترونية. 

“«إذا ساهمت حملة (كلنا مريم) في رفع وعي العالم تجاه ما يحدث في مدينة القدس والمسجد الأقصى وما تعانيه المقدسيات فسنقترب حتما من التحرير والنصر».

هكذا عبرت المعلمة المقدسية المبعدة عن المسجد الأقصى هنادي الحلواني عن أهمية حملة “كلنا مريم” العالمية…”

طوبة على طوبة: قوة النساء بتراكم تنظيمهن

“انتفاضة” نساء فلسطين على محاور مختلفة تعطينا أوجه متعددة للنظر إلى قوة الناس وقدرتهن على إحداث التغيير. فمن الجانب السياساتي، ولكل حراك وتنظيم مجتمعي تكتيكاته واستراتيجياته في الاستمرار في النضال، وإن كان يعتبر حراك «طالعات» أنّ التغيرات في القوانين والسياسات لا تكفي لأنهن ببساطة “غير معولات على المنظومات الحالية سواء أكانت الفلسطينية أو الإسرائيلية”.

لذا، يخلقنّ «طالعات» تعريفاتٍ أوسع للتحرر الوطني، لا ترى السلطات شريكة في الحل كما ترى حملات «إرادة»، بل ينظرنّ إلى التحرر النسوي كعملية أوسع من التحرر الوطني من كافة قيود الهيمنة السياسية والرجعية الاجتماعية التي يتقاطع فيها الاحتلال مع السلطات المحليّة:

“هذه الشعارات لا تخلو من تلمّس وعي جديد، فمع أن الحراك النسوي الشبابي نشأ في لحظة غضب، وكان ردة فعل على جريمة قتل الشابة إسراء، ومع أنه انتظم على عجل، إلّا إنه كان أيضاً امتداداً لإرهاصات ومحاولات سابقة، وبدأ يتعرف من قلب المعاناة إلى علاقة التحرر الوطني بالتحرر الاجتماعي. وكان الأهم إعادة تعريف التحرر الوطني الفلسطيني”.

ولكن على الصعيد الأوسع، يثمر مراكمة النضال النسوي الفلسطيني بأوجهه المتعددة والمختلفة انتصاراتٍ معنوية تُغذي التنظيم، تشبّك من قوته وصموده، وترفع قضاياه إلى واجهة الرأي العام، تكسر هيمنة التنظيمات الغربية على الخطاب النسوي العالمي، وتوحد الصوت الفلسطيني رغم محاولات الاحتلال المختلفة بسلخه عن بعضه وتحويله أشلاء وتغييب الخطاب الاجتماعي النسوي من المصالح السياسية الفلسطينية القائمة، لا بل وتطبيعهم مع الذكورية:

“دراسة حراك «طالعات»، هو بمنزلة مفهمة القضيّة الفلسطينيّة من وجهة نظر نسويّة؛ لأنّ القضيّة تعاني ثلاث سلطات قمعيّة ذكوريّة، هي السلطة الاستعماريّة المتمثّلة في الاستعمار، إلى السلطات المحلّيّة في غزّة والضفّة الغربيّة، ولهذا كان شعار «طالعات»: “لا وطن حرًّا إلّا بنساء حرّة”. وجهة نظر النسويّة أنّ ما يلزم التحرّر ليس بمحاربة الاستعماريّ فقط، وإنّما بمحاربة الأنظمة الذكوريّة الأبويّة أوّلًا”.

أما مفهوم الرِباط وتحوله إلى أداة نضالية مُوجعة للاحتلال تعرقل خططه وتصطدم معه بشكل مباشر، صنع مساحات نضالية نسائية جديدة، فعاليتها عالية، تمارس التعلّم المستمر وتخلق علاقات التزامية داخل التنظيم وتجعل منه مرن، تكتيكاته متنوعة، وترفع من الممارسة النسائية في النضال إلى مستويات تؤرق الاحتلال وتجعله يستنفر بقسوة ليمنع هذه القوة الفاعلة والوازنة من الاستمرار.

في الملخص، تعمل الحراكات والتنظيمات المجتمعية النسوية الفلسطينية على خطوط متوازية؛ تعمل على تغيير السياسات، وتنجح بفعل ذلك تدريجياً، تعمل على رفع الوعي بقضايا المرأة على الفضاء الإلكتروني، تقف في وجه المُحتل وتستعمل وجودها ورباطها وجلوسها سلاحاً نضالياً شديد التأثير، وتدفع صوب توسيع مفاهيم التحرير وتشبيك السياسي والاقتصادي بالاجتماعي النسوي — وفي مراكمة هذه النضالات من أهل القضية، تنجح النساء بتنوعاتهنّ بتشكيل كتل ضغط كبيرة وحقيقية تدفع نحو تحرير للفلسطينيات في كل مكان من كل القيود التي تتعرض لهن. تكمن قوة الناس، النساء هنا، في تقاطعات حملاتهن وتكتيكاتهن.

وكما تردم نسوية «طالعات» والمرابطات الشقوق والفجوات المختلقة في النسيج الفلسطيني، ترمم الحملات النسوية الفلسطينية السياساتية والرقمية التي تقف ورائها قياديات مع مجموعات من النساء منظّمات، علاقة المرأة الفلسطينية مع مجتمعها وأرضها.