رأي عام

كيف تُصبح قضيّة ما، قضيّة رأي عام؟ مثال: غاز العدو احتلال

بقلم: نسرين الحاج أحمد

في أيلول ٢٠١٤ حين برز موضوع شراء الغاز من الكيان الصهيوني وربما لشهر أو شهرين لم يأخذ الموضوع حيز الرأي العام (أي لم يكن هنالك رأي شعبي واضح اتجاه القضية) علماً انه يخص كل أردني يدفع فواتير الكهرباء لأن هذه الفواتير سوف تجد طريقها ثمناً للغاز الطبيعي وتنتهي في خزينة الكيان. وفي الأشهر اللاحقة تحول الموضوع من أمر غير معروف وغير منتشر بين الناس الى قضية  رأي عام – يعلم به أغلب الناس بالشارع ولهم رأي اتجاهه. ولم يأتي هذا التحول بشكل تلقائي بل أتى نتيجة جهود وعمل منظم من  جهات مختلفة. علماً بأنه وفي أوائل ٢٠١٤ قامت شركة البوتاس والبرومين بتوقيع عقد نهائي ب٥٠٠ مليون دولار ولمدة ١٥ عام لشراء الغاز الطبيعي من الكيان الصهيوني دون أن يعلم أغلب الناس بالأمر مع أن الصحافة غطتها.

أسلط الضوء في هذا المقال على بعض ما  قامت به حركة الأردن تُقاطع واللجنة التنسيقية والحملة الوطنية لمناهضة اتفاقية شراء الغاز المسروق من الكيان الصهيوني والتي جعلت من القضية  محط نقاش وقضية رأي عام. هدفي أن أتأمل في التجربة وأستخلص العبر والدروس المستفادة وذلك خدمةً لحملات أخرى بحاجة أيضاً لأن تجعل من  قضيتها قضية رأي عام لتعزيز التفاعل والأثر.

كان هنالك أكثر من عامل ساهم في جعل قضية شراء الغاز من الكيان الصهيوني قضية رأي عام عند الشعب الأردني. بعض العوامل كانت نتيجة العمل المنظم من قبل الجهات  الفاعلة في مناهضة الصفقة والبعض الآخر  جاء نتيجة تصرفات الجهات الرسمية المعنية بإتمام الصفقة. وتحديداً التمويه والمغالطات من قبل الحكومة بما يتعلق بالصفقة وتعدي الكيان الصهيوني على الأقصى وغطرسة التصريحات الأمريكية بخصوص فائدة إتمام الشراء على “أمن” المنطقة.

القضية قضية شخصية : 

أولاً، لتصبح قضية ما قضية رأي عام يجب أن تكون مرتبطة بشكل شخصي بنا أو يجب أن نعرضها موضحين الارتباط الشخصي. فنبحث عن مربط الفرس. كيف تكون صفقة شراء الغاز من الكيان الصهيوني مسألة تمس كل شخص؟

هذه بعض المداخل:

* لأن ربط الأردن بالكيان الصهيوني في مجال الطاقة يشكل تهديداً على أمن الأردن بالوقت الذي يزداد فيه التطرف والإرهاب في منطقتنا.

* لأن كل أردني يدفع فاتورة كهرباء سوف تحوّل أمواله للكيان الصهيوني وسوف يجبر على تمويل الجيش الصهيوني والاستيطان والاحتلال.

*هذه أكبر صفقة اقتصادية تطبيعية مع العدو منذ توقيع إتفاقية وادي عربة في الوقت الذي لم تجف فيه دماء أطفال غزة ولم تهدأ النفوس بعد.

*الغاز “الإسرائيلي” غاز مسروق مستخرج من شواطئ فلسطين المسروقة أصلاً وأن المواطن الأردني لا يمكن أن يقبله.

* التأكيد بأن صفقة الغاز ستصب في مصلحة العدو وخدمة مصالحه التوسعية والإقليمية والإقتصادية.

فتوضيح كيفية مساس القضية بكل مواطن وليس فقط بفئة محدودة من المجتمع هو الذي سيجعلها قضية رأي عام أو يجدر بها أن تكون قضية رأي عام. ولذلك كان خروج مجموعة شباب بعبارة “غاز العدو احتلال” في غاية الأهمية لأنها لخصت الموضوع للشعب الأردني بشكل مبدع. وكذلك كان الأمر بالنسبة لعبارة “٣٠٪ من قيمة فاتورة كهربائك ستذهب لدعم اسرائيل إن تمت صفقة الغاز” وعبارة “ادعم نتنياهو.

 ومن الجدير بالذكر أن الأمر الذي ساهم في  جعل القضية  قضية شخصية  بالإضافة لما ذكر  أعلاه هو أن اللجنة التنسيقية في البدايات بادرت في العمل على دراسة مهنية مع معهد بلاتفورم لدراسات الطاقة في لندن، والتي وضحت المبالغ التي ستدخل خزينة الكيان الصهيوني من قيمة الصفقة إن تمت.

العريضة الشعبية:

أعلنت الأردن تقاطع عن موقفها المناهض للصفقة بعد يومين من خبر توقيع رسالة النوايا بين شركة الكهرباء الوطنية والشركات الإسرائيلية الأمريكية، وبعد ذلك بأسبوع أطلقت عريضة شعبية رافضة لإتمام الصفقة في الوقت الذي كان الموضوع يُتداول في أطر ضيقة وتغطية إعلامية قليلة. ورغم شك العديد بأن تكون العريضة أداة ضغط فعلية على الحكومة المالكة لشركة الكهرباء، دون أن تحظى على توقيع الملايين، أصبحت العريضة أسلوباً لفتح الحوار مع مجموعات ومؤسسات مجتمعية، و أناس في الشارع و ضمن فعاليات ثقافية وسياسية ذات علاقة. ولم يكن الأمر سهلاً وكان هنالك تخوف عند الناس بوضع اسمهم على العريضة خصوصاً وأن القضية لم تكن معروفة بعد ولأن الناس بشكل عام تشعر بالإحباط السياسي. ولم يكن سهلاً لأنه وفي أكثر من حالة استجوبت الأجهزة الأمنية بعض الأشخاص الذين كانوا يجمعون التواقيع في مواقع مختلفة.

 ولم تكن العريضة مروسة أو مجيرة لجهة معينة بل كانت موجهة الى رئيس الوزراء من المواطن الأردني وبالتالي الشعور بالملكية الجماعية للعريضة ومع الأيام تشاركت شخصيات ومجموعات مختلفة مع الأردن تقاطع في جمع التواقيع. وتم كذلك نشر العريضة للتوقيع الإلكتروني والإعلام الاجتماعي الذي  ساهم في إيصال القضية إلى أردنيين في الخارج.

واكتفت “الأردن تقاطع” بجمع 8 آلاف و400 توقيع كرقم رمزي (مقارنة  ب8.4 مليار سيذهب لخزينة الكيان جراء هذه الصفقة)، وتم تسليمها الى رئيس الوزراء عبر مجلس النواب. بالمحصلة كانت العريضة وسيلة للتثقيف وبث المعلومات وحث الناس على أخذ موقف، تحديداً حين كان جمع التواقيع ميدانياً وفي مدن أردنية مختلفة.

  • الشخصيات المؤثرة بالرأي العام :

تزامناً مع جمع التواقيع على العريضة قامت الأردن تُقاطع بتصوير مجموعة من قادة الرأي العام يعبرون عن موقفهم الرافض للصفقة وأسباب الرفض. وقامت ببث ذلك على موقع الاردن تقاطع في حينه وعلى مواقع أصحاب الرأي انفسهم.

لم يكن من الصعوبة الوصول للشخصيات وتصويرها، ولكن الصعوبة كانت في الاتفاق على مجموعة من الأشخاص يحملون تنوعاً في الفكر والطرح. تم تصوير 10 فيديوهات حصدت 8200 مشاهدة. والملفت انه أكثر شخصية تم مشاهدتها هو أحمد حسن الزعبي (4982) مع العلم أن الناس تنظر اليه أكثر كشخصية إعلامية منها سياسية ولكن جمهوره واسع ويضم عدد كبير من الشباب ومن خارج عمان.

وكان لهذه الفيديوهات أهميتين: الأولى كانت في تنظيم الصوت المعارض وجمعه في مكان واحد كدليل داحض للإدعاء القائل أن معارضي الصفقة أقلية او ينتمون لجهة  واحدة. والأهمية الثانية كانت بالوصول إلى جمهور أوسع من خلال الشخصيات ومتابعيهم على صفحاتهم الاجتماعية وبالتالي توسيع شبكة الاهتمام.

  • الشارع :

بالإضافة لجمع التواقيع بالميدان كان هنالك بعض التحركات الميدانية الخلاقة التي جلبت الاهتمام. فمن أول التحركات على الأرض كان دخول مجموعة من الشباب والشابات على مبنى شركة الكهرباء الوطنية،وبقائهم في قاعة الاستقبال إلى حين ملاقاة رئيس الشركة ومواجهته بسؤال عن الصفقة المرتقبة والاحتجاج على توقيعها.في حينها نفى أن الغاز سيأتي من إسرائيل بل وأصر ان شركة الكهرباء ستتعاقد مع شركة أمريكية. وتم تغطية تحرك الشباب على مواقع الإعلام الاجتماعي مستخدمين إجابته لإستفزاز الرأي العام، ولم يحظَ هذا التحرك بتغطية الإعلام التقليدي بشكل ملحوظ. تلى ذلك التحرك نزول مجموعة من الحراك الشبابي الأردني إلى الشارع لتوزيع المنشورات والمرئيات  تحت شعارعار – في حين كانت النقطة على العين والراء على شكل نجمة إسرائيل. وتلا ذلك ارتداء بعض الشباب والصبايا للشعار ذاته ولشعار “غاز العدو احتلال ” في ماراثون عمان، مما  أثار أيضاً بعض الاستفزاز على الإعلام الاجتماعي، ومجدداً القليل من الإعلام التقليدي. وبعدها بشهر تتالت الوقفات في الشارع بدعوة من الأردن تُقاطع واللجنة التنسيقية، أولها كان أمام شركة الكهرباء الوطنية ومن ثم مجمع النقابات ومجلس النواب ورئاسة الوزراء.

  • سلسلة ندوات :

 خلال شهر أيلول وتشرين الأول والثاني، نظمت العديد من الجهات ندوات للوصول لجمهورها. وربما تم تنظيم أكثر من 15 واحدة بعضها في العاصمة والبعض الآخر خارجها. وتم إلغاء بعضها في آخر لحظة سواء لتردد المضيف لكون الموضوع سياسي مناهض لتوجه الحكومة او لاتصال الأمن معهم للاستفسار عن الفعالية. وعلى الأغلب كان الجمهور المستجيب للندوة وعنوانها أصلاً جمهور مقاطع وذي موقف ضد الصفقة. الندوات ساعدت الحاضرين بتطوير قدرتهم على إقناع الآخرين من حولهم بعد أن أدركوا تفاصيل الصفقة وتداعياتها وبعد أن تعلموا عن البدائل الموجودة. كما ساهمت هذه الندوات بإيجاد متحدثين ازدادوا دراية بالقضية مع كل لقاء.

  • مجلس النواب :

تَحرك مجلس النواب بشكل منظم وإثارة الموضوع في جلسة نقاش عامة استمرت يومين بحضور رئيس الوزراء أتت كمحطة بعد التحرك بالعريضة والشارع وفيديوهات الشخصيات المؤثرة واستكمال الدراسات لتقلب الامور وتصبح قضية الغاز قضية رأي عام.

كيف حصل ذلك؟

في شهر أيلول وقّع بعض من النواب (ربما ٣٠ نائب) على مذكرة تطلب طرح الموضوع. ولكن لم يحدث شيء. وفي أوائل تشرين الأول أطلقت الأردن تُقاطع حملة اتصال شعبية على النواب لحثهم على التصرف وإن كانت شركة الكهرباء الوطنية ومالكتها الحكومة غير ملزمة بشكل صريح بأخذ موافقة مجلس النواب على الصفقة.  فنظمت الأردن تُقاطع ورشة اتصال شعبية التقى بها الناشطون لساعات على مدار أيام متتالية ولأسبوع.

ودعوا الناس من خلال صفحات الاعلام الاجتماعي للانضمام بالاتصال على النواب،  فنشروا أرقام النواب موفرين نصاً مقترحاً ومعلومات للحوار مع النائب لكي يأخذ موقفاً علنياً واضحاً ضد إتمام الاتفاقية. وساهمت دعوة التحرك هذه في نشر القضية وكانت بمثابة  تكتيك سهل يمكن أن يقوم به أي شخص من مكانه دون مجازفة أو استثمار كبير. وكانت الأردن تقاطع تعلن بنهاية كل يوم أسماء النواب الذين التزموا حتى نهاية حملة الاتصالات حين حصلت على أغلبية النواب ونشرت أسماء ٧٦ نائب رافضين.

وبعدها تواصلت الأردن تُقاطع مع النائب نجاح العزة لتقود مذكرة نيابية تطالب بعقد جلسة نقاش عامة بوجود رئيس الوزراء حول شراء شركة الكهرباء للغاز من إسرائيل. وبالفعل حصلت المذكرة النيابية على ٧٦ توقيع وأصبحت بمثابة تصويت نيابي  معترض على الاتفاق. وتحددت جلسة النقاش العام لتاريخ 2014/12/14 وحينها أصبح الإعلام التقليدي أكثر اهتماماً أثارت الجلسات حدثاً مهماً لا يمكن للإعلام إلّا أن يغطيه. وحينها قام النشطاء بدعوة  وحشد الناس لحضور الجلسة النيابية مقتنعين أن جمهور من الناس في الشرفات سيساهم في رفع أداء النواب وأخذ اغلبهم الدور للحديث. وبالفعل بدأت الجلسة بوجود رئيس الوزراء واستمرت لمدة يومين على التوالي تحدث بها أكثر من مئة نائب كلهم باستثناء عشرة نواب ضد توقيع الاتفاقية.

وفي نهاية الأمر خرج مجلس النواب بتوصية بالأغلبية بعدم إتمام الشراء. وإن كان هنالك جدل على إلزامية قرارهم أو مدى تأثيرهم بالواقع السياسي الأردني إلّا أن لها ثقل سياسي بصفتهم ممثلين للشعب الأردني. وليس هذا فقط، فإن محفلهم مهم ومسرح لتحركات تثير تفاعل الشارع تحديداً حين تكون هذه التحركات خلاقة أو ملفتة للنظرمرئياً. وهذا ما كان حين دخلت النائب هند الفايز بيافطة غاز العدو احتلال أو تقديم النائب نجاح العزة صندوقاً لرئيس الوزراء فيه ٨٤٠٠ توقيع على العريضة الرافضة أو تشجيع النائب رولا الحروب للنواب لوضع ملصق أحمر عليه “غاز العدو .احتلال” على ملابسهم  مما أنتج صوراً ومرئيات تنطق أكثر من الكلمات.

  • القوى الوطنية وقاعداتها الشعبية:

من المفروض نظرياً أن يكون تحريك وتنظيم الأحزاب والنقابات من أكثر الأمور التي تخلق رأيا عاماً وتجعل قضية ما قضية شعبية، إلّا أنه وبالواقع هذا لم يحدث في بداية الأمر فلم تتفاعل أو تفعّل تلك الجهات أنفسها بشكل حقيقي فاعل في الحصول على تواقيع على العريضة أو الخروج باعتصامات أو المشاركة بالضغط على النواب. وهنالك أسبابٌ مختلفة لذلك، تختلف باختلاف الأحزاب والنقابات، فبعضها لم تفعّل قاعدتها ربما لأنها غير مرتبطة بقاعدتها أو أن أدوات تواصلها مع قاعدتها غير مطوّرة، أو ربما لم يكن لديها نيّة حقيقية بالتحرك بالرغم من إبداء الاستعداد، أو لأنها غير معنيّة بالتحرك أصلاً بشأن سياسي مثل قضية الغاز، أو ربما غير مقتنعة بحراك اللجنة التنسيقية أو الأردن تُقاطع  لحداثة نشأتهما.

ولكن التغيير الجدي حصل بعد الوصول لتوصية النواب بالأغلبية، حيث باشرت بعض الأحزاب في تنظيم مسيرات أو اعتصامات بقيادتها، وحيث أصدرت نقابتي المحامين والمهندسين بياناً لأعضائهما بمنع التعامل مع الشركات الصهيونية والأمريكية المرتبطة بملف الغاز المسروق. وبعد ذلك، وفي  الأول من كانون ثاني 2015 نظمت اللجنة التنسيقية بالتعاون مع النواب ورئيس النقابات حينها د. ابراهيم الطراونة لقاءً يهدف لتنسيق الجهود والخروج بتحرك موحد بشراكة الجميع لمناهضة شراء الغاز، ودعت له كل الأحزاب والنقابات ومجموعة نواب، وتم الاتفاق على تحرك موحد وهو مسيرة رفض شعبية. وكان هذا المنتدى الوطني الذي أنشأ “الحملة الوطنية لمناهضة الغاز” والتي انضمت لها الأردن تقاطع وغيرها من أعضاء اللجنة التنسيقية ونسقها الدكتور هشام البستاني ونجحت بترتيب سلسلة فعاليات لإثارة الرأي العام بما في ذلك مسيرة الرفض الوطنية بتاريخ 2015/3/6 ولاحقاً المحاكمة الشعبية بتاريخ 2015/9/5.

  • الإعلام الاجتماعي :

أتت أهمية الإعلام الاجتماعي سواء فيسبوك أو تويتر أو الصفحات الإلكترونية، لأن الإعلام التقليدي (مرئياً أو مسموعاً) لم يغطِّ قضية الغاز بشكل كافٍ أو فاعل. فاستُخدم الإعلام الإجتماعي لدعوة الناس للتحرك وجمع التواقيع الإلكترونية على العريضة، ولتغطية الفعاليات وللإعلان عن مواقف جهات أو شخصيات مناهضة للصفقة، وتنظيمها بشكل يوحي بوحدتهم وثقلهم. واستخدم كذلك لنشر دراسات عن القضية سواء دراسة مفصلة بالقيمة النقدية التي ستذهب لخزينة الإحتلال في حال تمت الصفقة والتي قدرت أن الصفقة إن تمت سوف تموّل حربين على غزة. و الدراسة الثانية كانت عن البدائل المتاحة للغاز رداً على الحجة الأساسية التي استخدمتها الحكومة  لحتمية شراء الغاز من إسرائيل. وتكمن أهمية الإعلام الاجتماعي بالوصول لجمهور جديد غير جمهور الأردن تقاطع أو الحملة الوطنية بل بالوصول عبر صفحات الشخصيات المؤثرة أو الصحافة الإلكترونية لآخرين.  ومن خلال التجربة والإحصائيات تبيّن أن الانتشار عبر الإعلام الاجتماعي يكمن في (النهفات ) والمرئيات المستفزة، والتي تجد رواجاً ومشاركة أكبر من أي شيء آخر باستثناء أخبار النجاح.  فالأغلب يحب مشاركة الأخبار التي تطلق الضحك أو تبعث الأمل.

  • الإعلام : 

لم تقم أغلب منابر الإعلام التقليدي بتغطية قضية شراء الغاز من الكيان الصهيوني، أو تغطية فعاليات الحراكات وإن كانت صغيرة في البداية وذلك لأسباب كان البعض يحللها بولاء المنابر للحكومة وعدم رغبتهم في إثارة الرأي العام ضدها. والبعض الآخر عزى ذلك لأسلوب عمل المنابر الإعلامية التقليدية والتي لا تبحث عن المعلومة بل تغطيها وإن كانت كبيرة ومكشوفة. وإن كان هنالك استثناءات مثل: جريدة الغد وقناة رؤيا – اللتان سعتا لتغطية اتفاق شراء الغاز وأخذ دور الصحافة الباحثة عن المعلومات غير منتظرة استلام الأخبار. فلقد قامت مثلاً جريدة الغد وفي البدايات 2015/10/17 بتنظيم ندوة مع ممثلين لوزارة الطاقة كمحاولة لمعرفة الحقائق منذ البدايات، من ثم طرحت القضية بلقاء دائري يضم خبراء لديهم وجهات نظر مختلفة تم لاحقاً تغطيته بالتفصيل.  وقامت الغد كذلك بتغطية كل التحركات التي قام بها النشطاء ضد الصفقة كما غطوا جلسة النقاش العام بمجلس النواب بالتفصيل، وكما كانوا يترجمون ويتابعون مجريات التنازع حول الامتياز لحقل الغاز في داخل الكيان الصهيوني.

 وكذلك الأمر بالنسبة لتلفزيون رؤيا والذي خصص حلقة من نبض البلد حول القضية بداية، ومن ثم استضافة خالد رمضان الذي أثار الأمر بشدة خلال الاعتداء على الأقصى، ومن ثم تخصيص حلقة كاملة لقضية الغاز والتي استضافوا فيها جمال قموه رئيس لجنة الطاقة بالبرلمان وعبدالله الشامي قبيل جلسة النقاش العام في مجلس النواب. وبعد جلسة البرلمان، استضافت المحطة نواباً وخصصت المزيد من المساحة للقضية. وكذلك كان راديو البلد وراديو حياة مختلفين عن باقي الإذاعات بحجم اهتمامهم بالقضية وتغطيتها، وكذلك لحرصهم على البحث عن المعلومة وفهم الملف.

وأخيراً وليس آخراً، العوامل التي ساهمت في جعل قضية شراء الغاز قضية رأي عام لم تقتصر على ما فعلته الأردن يقاطع واللجنة التنسيقية والحملة الوطنية بل ساهمت أفعال وأقوال الحكومة الصهيونية والحكومة الأمريكية بجعلها قضية رأي عام أيضاً. فتحركاتهم وأقوالهم استفزت الناس وأعطت زخماً استغلته الحراكات القائمة داعية للمزيد من الرأي العام. وأمثلة على ذلك: تعدي الكيان الصهيوني على الأقصى خلال انطلاقة الجهد لمناهضة الصفقة وقتل زياد أبو العين المناضل الفلسطيني وهو يزرع الزيتون وأقوال عوديد عيران حول امتداد سيطرة الكيان على المنطقة من خلال الطاقة. وبنفس الطريقة كانت  تصريحات الحكومة الأمريكية  المستفزة من أن الصفقة تخدم “الأمن في المنطقة”، أو أن الشراء سوف يتم عاجلاً ام آجلاً. فما كان على الحراكات إلّا  أن يروا في هذه الأفعال والأقوال فرصة للكشف عن حقيقة الأمور واستفزاز الرأي العام بدلاً من أن يروا فيها فشلاً محتماً لجهودهم.

وكذلك الأمر بالنسبة للحكومة الأردنية التي ساهمت أقوالها وأفعالها بجعل القضية قضية رأي عام. فتضليلها للرأي العام وكشف الناشطين لذلك، جعل من القضية قضية تستدعي الاهتمام والترقب. ففي البداية صرحت الحكومة  عبر شركة الكهرباء أن الغاز ليس من “إسرائىل” بل من شركة أمريكية وكَشفُ هذا التضليل  جلب المزيد من الاهتمام من الناس، وكذلك الأمر بالنسبة لعدم مصارحة الحكومة للناس حول الخيارات الأخرى الموجودة للطاقة من مشاريع طاقة شمسية، والصخر الحجري، وميناء العقبة الذي طالما تحدثت عنه دون أن يتمخض عن الحديث نتيجة فعلية. ولاحقاً ساهمت الحكومة بجعل القضية قضية رأي عام بتجاهلها الصريح لصوت النواب، ورفض رئيس الوزراء لاستلام العريضة الشعبية في مجلس النواب.  فانضمت شريحة المجتمع غير الراضية عن الحكومة لمواضيع مختلفة لتنصت لما يجري. وربما الأكثر استفزازاً كان في تهديد الحكومة للناس من تحت القبة بأنها سترفع أسعار الكهرباء أو تقطعها في حال لم تشترالغاز الصهيوني وبالذات حين كانت الحكومة مقدِمة على رفع الأسعار بغض النظر عن الموقف الشعبي. فكل التحركات السابقة الذكر جعلت من قضية الغاز قضية “صراع / طوشة” علنية يهتم الناس بمتابعته.

وقبل أن أنهي، أعرج على موضوع وتيرة العمل وبالنظر للسياق العربي فهنالك وللأسف  تدفق للأخبار المزعجة والمؤسفة سواء في بلدنا، أو في البلدان المجاورة، والذي يتعاطى معها المواطن يومياً. فاليوم يؤثر بي موضوع وغداً موضوعٌ آخر وهكذا. مما يضطر البعض منا  أن يُغيّب نفسه عن الواقع السياسي المحيط لكي يتعايش دون أن يشعر بالعجز. والذي أثر سلباً أحياناً وأحياناً أخرى جمد اهتمام الناس بالقضية. لذا من الملفت هنا كثافة التكتيكات التي استخدمتها الحملة، والتي أتت متلاحقة وفي وقت زمني قصير، مما ساهم بفرض القضية وتشكيل رأي عام حولها رغم تزاحم القضايا.

وفي الختام، عرضت بعض الطرق التي أدت لجعل قضية شراء ما قيمته ١٥ مليار دولار من الغاز الطبيعي من الكيان الصهيوني قضية رأي عام، وربما كان باستطاعتنا نقل بعض من هذه الدروس لحملات أخرى.  ومن المهم بمكان وإن لم يكن موضوع هذا المقال، أن يكون لدى النشطاء والقائمين على تحريك الرأي العام برنامج تحرك مُنظم فيه تسلسل فعاليات ضاغطة وتعاونية خدمة لاستراتيجية محددة للوصول للهدف. فلا يكفي استفزاز الرأي العام، فتأجيج الرأي العام بحذ ذاته ليس استراتيجية كافية لإحداث التغيير. وعليه يجب بناء برنامج عمل يستثمر طاقات الناس بطريقة مسؤولة تحمي مصالح البلد والناس وتحافظ على الحريات. فكما بإمكان النشطاء وقياديي الحركات حشد الرأي العام حول أي قضية فبإمكان المعارضة فعل الشيء ذاته.

اهل للتنظيم المجتمعي

أهل مؤسسة تقدم المرافقة والتدريب للمجموعات والمؤسسات لتنظيم وبناء قوتهم وقيادتهم ومواردهم على شكل حملات لقيادة التغيير ولتحقيق العدالة والحرية.

https://ahel.org/wp-content/uploads/2020/07/BRAdWebIcon4-halfSize-1-320x259.jpg
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي

سجل في قاعدة بياناتنا