كيف أحشد أهل القضية رغم الخوف؟

أفكار من حملتي «سالمة تعيش» التونسية و«قُم من المعلم» الأردنية

بقلم: راما سبانح

تنتهج الحملات التي تمارس الحشد المجتمعي ضمن أُطر سياسية تتمتع بحريّة نسبية ولها المساحة لممارسة العمل الجماعي أسلوباً يستند على التواصل المباشر مع أهل القضية وبناء علاقات التزامية عبر الاجتماعات الفردية والجماعية لتشكيل فريق قيادي يعمل ضمن استراتيجية يحددها وتكتيكات تنظيمية متنوعة لهدف تغيري واحد. يعاني هذا النموذج من القصور عندما ندرس فاعليته ضمن المجتمعات المقهورة في ميزان قوى غير متكافئ؛ يَصعُب على أهل القضية حشد بعضهم لتحفيز التغيير والتنظيم إن كانوا يخافون عواقب السلطة المهيمنة على حياتهم (سواء كانت لديها سطوة سياسية، أم إدارية، أم مجتمعية أو اقتصادية)، ويزداد هذا السياق تعقيداً في ظل سياسات ممنهجة تعمل على منع ثقافة العمل الجماعي أو الحزبي أو النقابي وخلق فردانية منزوعة عن النسيج النضالي الأوسع.

يُقدم هذا المقال مجموعةً من الخطوات والنصائح المُستلهمة من التجارب الفعلية لحملتين تغيريتيين من سياقين سياسيين مختلفيين، «سالمة تعيش» التي تهدف إلى تغيير واقع المزارعات التونسيات العمالي وخاصة في ظل اضطرارهن لاستعمال وسائل نقل غير آمنة أودت بحياة فلاحات كثيرات في طريقهن إلى العمل، و«قُم مع المعلم» التي تعمل على تنظيم معلمات قطاع التعليم الخاص في وجه انتهاكات عمالية مادية ومعنوية متعددة، منها عدم تحصيل الأجور أو الطرد التعسفي وغيرها. في كلا السياقين، نلحظ أنّ أهل القضية، المتضررات من الظُلم وأكثر الناس حاجةً لرفع هذا الظلم، أبدوا تخوفاً واضحاً من التنظيم مجتمعياً، إما خوفاً على أرزاقهن ووظائفهن من الانقطاع، أو من عقاب السلطات السياسية لأي عمل جماعي ذو طابع سياسي ومجتمعي، وقد يكون هذا الهاجس نابعاً من إحباطات فردية تجعل من إقناع أهل القضية أنّهنّ/م قادرات/ين على التغيير وخلق واقع أفضل عبر تنظمهنّ أمراً صعباً.

يتوجه هذا المقال بالنصائح إلى القياديات/ين الذين يعملون في سياقات مشابهة، سواء كانوا في بدايات مسار حملاتهم ولم يشكلوا معالم الطريق الاستراتيجية بعد، وإلى الحملات المستمرة منذ سنوات وقطعت شوطاً من مسارها ولكن تواجه هذا التحدي ضمن استراتيجيتها التوسعية. الحشد ليس خطوةً أولية ولا عملية منفصلة عن مسار الحملة الدائم، إنما تكتيك دائم لاستمرار الحملات في نضالها والتداول الضروري للقيادة ضمن الفِرق التنظيمية. إليكم ما جمعناه:

1. افهم/ي تخوفات أهل القضية جيداً:

قبل المباشرة بالتفكير بحلول لأي تحدي يواجه حملاتنا المجتمعية، يجدر بنا أنّ ندرس طبيعة هذا التحدي وجذوره جيداً. القياديين من أهل القضية يعون سياق قضيتهن جيداً، ولكن يجب أن يسألوا أنفسهن، لماذا استطاعوا هم/ن الانخراط والتنظيم وأخريات/ين يخافون من فعل هذا؟ الإجابة على هذا السؤال ضرورية لإرساء استراتيجية الحشد والإقناع ومعرفة ماهية التدخلات الملائمة. ما هي احتياجات أهل القضية الآنية؟ كيف لي أن أُشعرهم بالأمان وأبني جسور الثقة بيننا ككتلة مجتمعية واحدة؟ إجابات هذه الأسئلة تكشف الكثير عن ما طبيعة التصرف المطلوب. في حملة «قُم مع المعلم» لاحظنّ المعلمات القياديات، عبر انخراطهن وسؤالهن واستفهامهنّ، أنّ المعلمات يبحثنّ عن دورات تدريبية لتطوير مهارتهن التدرسية في الغرفة الصفيّة، ودُمج هذا الاحتياج مع تطوير معارفهنّ عن أساليب التخويف والتخوين التي يعتمدّها أصحاب المدارس. وجدت حملة «سالمة تعيش» عبر هذا الاستقصاء أنّ الفلاحات محرومات من الوصول إلى الطبابة، وهذه المعلومة أرست استراتيجية الحشد في الخطوات اللاحقة.

2. احشد/ي أهل القضية إلى نشاط جماعي يتعاطى مع احتياجاتهن/م:

قبل البدء بالحديث عن أهمية التنظيم وضرورته وعن مواجهة أصول القمع والتخويف، أصحاب القوى، من المهم أن نبدأ ببناء جسور الثقة بين القياديات/ين وأهل القضية المتخوفين. قد تحفّز دعوة أهل القضية إلى نشاط أو فعالية تجمعهنّ/م في مكان واحد ي/تستطيع القيادين/ات فيه التواصل فيه معهنّ/م في بيئة آمنة، توفر احتياجاً ملحاً لهن/م وتعرّفهن/م على بعضهنّ/م البعض دون الغوص المُباشر في المخاوف والمحاذير التي يعانون منها وتنفرهن/م من التنظيم في الأساس. تُخطط هذه الأنشطة من دراسة الاحتياجات التي قام بها القياديون/ات في الخطوة السابقة، فعلى سبيل المثال، وبعد معرفة قياديات «سالمة تعيش» باحتياج الفلاحات للرعاية الصحية، قاموا بتيسير قافلة طبية إلى أماكن عملهن، حيث التقوا أهل القضية ببعضهنّ وأخذوا العلاجات، ومِن هُناك ازدادت وتوطدت معرفتهم بشبكتهن وبقياديات الحملة. كذلك، باشرت حملة «قُم مع المعلّم» بفتح باب التسجيل لدورات تدريبية تُعنى بمهارات الغرف الصفيّة ومساقات تعليمية أُخرى، استفادت منها المعلمات وتعرفنّ على القياديات، وفي المقابل بدأت الحملة بتشكل قاعدتها الشعبية من هؤلاء الذين حضروا نشاطهم.

https://ahel.org/wp-content/uploads/2024/05/kaif-1-copy.jpg

3. اخلق/ي مساحة تراكمية آمنة للنقاش والتعلّم:

بعد بناء قاعدة المعارف من أهل القضية، عرفهن/م على مساحة تشاركية من النقاش والتعلّم تعقد لقاءات دورية، وتقود ذاتها من حيث المواضيع المطروحة وسبل تبادل الحديث والدردشة. أحد أبرز الأمثلة على هذه المنهجية هو «التعلّم الشعبي»، والذي هو منهجية تعلمية تحررية مستندة على مبادئ «بيداغوجيا المضطهدين» لباولو فريري، تُعنى بخلق مساحات مشتركة بين أفراد القاعدة الشعبية في لقاء الدوري للحديث في مواضيع تهمهن، والتأمل بها ومشاركة خبراتهن وقصصهن. ضمن بيئة من المساواة والحب والثقة. ضمن هذه المنهجية يشكل أهل القضية مجموعات مكونة من ٦ إلى ٨ أفراد يجتمعون/نّ بانتظام دون معلم أو مرشد لاستكشاف المفاهيم الأساسية الضرورية للتحرر من القهر، مثل السلطة والثقة والعدالة وغيرها ويحللن كيفية تأثير هذه المفاهيم عليهم وعلى أفعالهم، وإعادة تعريفها في نهاية المطاف من خلال فهم جماعي جديد. من خلال هذه العملية، جلسة بعد جلسة، تنشئ المجموعة آلية حوار مشترك دون الحاجة إلى مناقشة القضية نفسها نقاشاً مباشراً. هذا النهج لا يمنح المجموعة القوة فقط، بل يزرع في عدد كبير من أعضائها الدافعية نحو المشاركة الفعالة في العمل الجذري. في حالة «سالمة تعيش»، عقدت الحملة مع الفلاحات لقاءات شهرية تعلميّة حول الحق بالنقل الآمن، والسلامة، والعمل الكريم حولت الفلاحات المنفردات إلى مجتمع من الفلاحات الواثقات ببعضهن واللواتي يشاركنّ همومهنّ وأفكارهنّ باستمرار مع بعضهنّ البعض.عند دعوة الناس على هذه المساحة، من الجيد أنّ تطلب منهم إحضار آخريات/ين مما يثقون بهن/م، على سبيل المثال، طلبت حملة «قُم مع المعلم» من المهتمات للمشاركة بحلقات «التعلّم الشعبي» بدعوة ٣ معلمات آخريات معهم، وهذا شجّع المعلمات على الحضور والمشاركة باستمرار كونهن تحملنّ مسؤولية إعلام أُخريات عنها مما ساهم بتوسيع حجم المجموعة وزيادة تنوعها.

4. أطلب/ي من أهل القضية المشاركة في نشاط جماعي من اختيارهم/ن:

بعد اللقاءات والحلقات الدورية، من المهم أن يثمر هذا النقاش بتصرفٍ مشترك، قد يكون هذا التصرف على شكل إعتصام، إعلان، أو وقفة، أو فعالية ما، تقرر المشاركات شكلها، ينظمنها، يدعون إليها، ويكونات مسؤولات عن إنجاحها من الألف إلى الياء – لا يهم شكل التصرف، ما يهم هو أنّ يختبر فيه الأفراد الانسجام والديناميات بينهن/م وثقتهن/م ببعضهن/م، ويؤهلهن/م لمرحلة جديدة من التنظيم والتحرك. تساعد هذه الخطوة في تشكيل النواة الأولى نحو تنظيم أهل القضية لنفسهن والتحوّل إلى التصرّف على أرض الواقع، كما وتفعّل مقدرة الفرد على إدراك قدرته/ا في التحكم في مصيره/ا، وترفع من قدرة المشاركات/ين على العمل ضمن فريق ملتزم نحو هدف مشترك. كُلّ هذه النقاط هي أشكال مبسطة من أركان التنظيم المجتمعي، وتساعد البيئة الآمنة هذه اختبار هذه المهارات وتطويرها ضمن مجموعة تحظى بالثقة المشتركة. فلاحات «سالمة تعيش» نظموا وقفة احتجاجية وحُشد عدد هائل، في أكثر من ولاية، ومن هنا استمر التصرف الجماعي وتبلور في مؤتمر سنوي للنساء العاملات في قطاع الزراعة. «قُم مع المعلّم» توجوا مساحاتهن التأملية بفعالية “تخريج” من حلقات التعلّم الشعبي، ومكّنت كذلك خريجات من التعلّم الشعبي للحديث مع معلمات في مدارسهنّ وتنظيم رفض جماعي على مستوى المدرسة لتحقيق مطلب عمالي يسعون إليه.

https://ahel.org/wp-content/uploads/2024/05/kaif-2-copy.jpg

5. ابني الفريق القيادي من المهتمات/ين في الاستمرار مع الحملة

تقف الكثير من الحملات عند النقطة السابقة، والتي يكون فيها التعاون عنواناً، دون تحويل هذه الحالة إلى تنظيم مجتمعي مستدام، ولكن الخطوة السابقة ليست إلّا محطة في هذه الرحلة. فمن المهم أنّ “تجس/ي نبض” المشاركات/ين في النشاط الجماعي وتسأليهن/م عن مستقبلهن/م التنظيمي مع الحملة، هل يردون/نّ الانضمام إليها؟ تكوين فريق قيادي؟ المشاركة في التخطيط الاستراتيجي للأهداف والقمم والتكتيكات والفرضيات؟ فالنشاطات والجلسات الجماعية ستفرز مجموعة، ولو أصغر من تلك المشاركة، مهتمة بالتنظيم. من هُنا، بإمكان القياديات/ين العودة إلى خطوات الحشد التقليدية بعدما استطاعوا مواجهة التحديات المتعلقة بالسياق التخويفي والقمعي، فستكون جسور الثقة ومهارات العمل والتعلّم الجماعي الأرضية المشتركة التي سيستطيعون عليها بناء ثقتهنّ بالحملة، والمجموعة، والهدف التغييري الذي تحمله. الأغلبية العظمى من الفريق القيادي في حملة «قُم مع المعلّم» هنّ من خريجات التعلّم الشعبي، وهنّ الآن من يقدنّ عملية الحشد والتوسع.

الخلاصة

طرحنا في هذا المقال سُبلاً مترابطة ومتسلسلة من تجارب تنظيمية محسوسة، لتجاوز تحدي حشد أهل القضية في واقع تخويفي وقمعي. من أهم العبر التي أخذناها من هذه التجارب هي تفادي طرح السياق التغيري قبل بناء المساحات الآمنة وجسور الثقة أولاً. فلنتذكر أنّ الحشد عملية مستمرة، ولا يجب أن تكون عائقاً أمام الاستمرار في التنظيم ضمن الهيكل الموجود -خاصة في ظل وجود قضية مُلحّة لا يمكن تأجيل النضال فيها- بل ننصح النظر إلى عملية الحشد كخط موازي مستمر مُرافق لعمل الحملة في كافة المسارات والمحطات. العمل التعاوني مهم، ولكن ترجمته إلى تنظيم مجتمعي هو هدف الحشد الرئيسي؛ الانتقال القصدي إلى التنظيم وسؤال “ماذا بعد؟” ضروري لنجاح حشد أهل القضية ضمن بنيّة وازنة وصامدة، تبرز قوتها التكتيكية والاستراتيجية، وتستطيع تحريك جبال بأكملها.

https://ahel.org/wp-content/uploads/2021/02/KayfButton100bigger.png