الملاحظات حول التنظيم المجتمعي

المقدمة

تشكل هذه “الملاحظات حول التنظيم المجتمعي” عملاً قيد البحث، وتأملات حول ممارسة القيادة، والتنظيم، والعمل، متجذرة في الخبرة الحياتية، ومستندة إلى البحث العلمي، ومصممة لتيسير عملية التعلّم. وأقوم بمراجعتها وتنقيحها بشكل دوري كلما كشفت لنا الخبرة دروساً جديدة، أو بينت الأبحاث معطيات جديدة، إضافة إلى الأساليب الجديدة التي يكسبنا إياها التعلّم. من هذا المنطلق، فإنني أضع هذه الوثيقة بين أيديكم، وإذا حققت الهدف منها، فإنها ستشكل نقطة انطلاق لكم لا نقطة توقف، سوف تستثير هذه الملاحظات الأسئلة بدلا من توفير الاجابات، وسوف تدعوكم إلى رحلة تعلمية انطلاقا من اكتساب عادة التأمل الناقد حول خبراتكم الشخصية، نجاحاتكم، وفشلكم، والأهم من هذا وذاك، التأمل الناقد حول الأثر الذي يمكن أن تحدثوه في حياة أولئك الذين سوف تختارون خدمتهم.

بدأت رحلتي كمنظم مجتمعي في صيف عا م 1964 حين انسحبت من جامعة هارفارد حيث كنت أتابع دراستي الجامعية لأنضم إلى حركة الحقوق المدنية وأتوجه إلى مسيسيبي لأصبح منظماً في اللجنة التنسيقية الطلابية اللاعنفية. كان أبي حاخاما وأمي معلمة، وكبرت على إيقاع قصص الهجرة والمنفى، ورحلة الشعب الذي قاده موسى عليه السلام وأعتقه من العبودية وسار به نحو الحرية. ولكني تعلمت أيضا بأن هذه الرحلة لم تكن فقط رحلة شعب واحد، لمرة واحدة، أو في زمن واحد، ففي الزمان والمكان الذي كنت أعيش فيه كان يقوم بهذه الرحلة الأمريكيون من أصل افريقي في نضالهم من أجل التغلب على مأسسة العنصرية المتضمنة في تاريخ بلدي منذ نشأته – نتيجة لعدم المساواة المتأصلة ما بين السود والبيض في التعليم، والإسكان، والدخل، والأمن، والعدالة الجنائية، والصحة، وفي كل جوانب الحياة. تعلمت في جنوب الولايات المتحدة الأمريكية بأنه لا يمكن القضاء على عدم المساواة هذا بالتمني فقط، أو برفع الوعي حول هذه المشكلة، أو من خلال خطب عصماء، بل يتطلب ذلك أن يتعلم أولئك الذين يرغبون بإحداث هذا التغيير كيف يمكن لهم أن يتعاونوا لتحويل مواردهم إلى القوة التي سوف يحتاجونها لكي يخلقوا التغيير المرجو – والذي لا يتمثل فقط بهدم الهياكل القديمة، بل القيام في نفس الوقت ببناء هياكل جديدة تمكنهم من اختيار قادتهم، اتخاذ قراراتهم، وتنفيذ هذه القرارات من أجل إحداث التغيير المطلوب. وهذا هو ما يسمى بالتنظيم، والذي يتطلب تحديد، وتوظيف، وتطوير القيادة، وبناء منظومة مجتمعية حول هذه القيادة، وبناء القوة من موارد تلك المنظومة المجتمعية. وبعد سنتين في الجنوب، وبدلا من العودة إلى جامعة هارفارد (كتبت لهم رسالة بنبرة لا تخلو من التكبر أسألهم فيها “كيف يمكن لي أن أعود إلى دراسة التاريخ بينما كنت أساهم في صناعة التاريخ”)، وعدت إلى بيتي في كاليفورنيا حيث كان سيزار شافيز قد بدأ للتو بحملة لتنظيم عمال المزارع وكان أغلبهم من العمال المهاجرين المكسيكيين – حوالي 250,000 عامل – الذين كانوا يتولون مهمة حصاد الفواكه والخضار في كاليفورنيا. انضممت إليه وقمت بهذا العمل على مدى السنوات الستة عشر التالية حيث تعلمت التنظيم النقابي والانتخابي والمجتمعي. غادرتهم في عام 1981 وقمت بالمزيد من النشاطات التنظيمية النقابية والانتخابية وحول قضايا محددة في كاليفورنيا لمدة 10 سنوات إضافية. وفي عام 1991، وبعد 28 عاما من “الإجازة الدراسية”، قررت العودة إلى جامعة هارفارد وأنهيت دراستي الجامعية بدرجة البكالوريوس في التاريخ والحكم وتخرجت ضمن دفعة 1964 – 1992، وتمكنت والدتي التي كانت تبلغ الحادية والثمانين من العمر في حينه أن ترى ابنها وهو يتخرج أخيرا من الجامعة. بعد ذلك حصلت على الماجستير من كلية كنيدي والدكتوراة في علم الاجتماع، وانضممت إلى هيئتهم التدريسية في عام 2000. خلال هذه السنوات الدراسية كان لزاماً علي أن أتأمل في خبرتي من خلال منظور العلوم الاجتماعية، ونتج عن ذلك أحيانا التأكيد على الفهم الذي طورته في عملي، وفي أحيان أخرى شكلت هذه العلوم تحديا لفهمي للأمور، كما شكل فهمي في أحيان أخرى تحديا للعلوم الاجتماعية.

تمثل مفتاح تعلمي في التعليم، فبينما كنت أعمل على رسالة الدكتوراة طُلب مني أن أقوم بوضع مساق حول التنظيم ليدرس في كلية كنيدي – مساق لا يتطرق لنظريات التنظيم أو تاريخ التنظيم بل ممارسة التنظيم: كيف يتم القيام به. أجبرني ذلك على استدخال خبرتي الحياتية والعلوم الاجتماعية في حوار مع الجيل الناشئ من خلال مجموعة من الأدوات التي يمكن أن تساعدهم على البدء في تعلم ما عليهم تعلمه لكي يتمكنوا من ترجمة قيمهم إلى عمل في وقتهم، ومكانهم، وكيانهم.

وهكذا بدأت بصياغة هذه الوثيقة التي سميتها “ملاحظات حول التنظيم”  لتكون دليلا للأشخاص الذين بدأت أعمل معهم ممن يمكن أن يستخدموها كسند لهم في مسيرتهم التعلمية. ومنذ ذلك الوقت دأبت على تعديلها في كل عام، وبما أنها دليل للممارسين في تنظيم الحملات الانتخابية، وجهود المناصرة، وعمليات التنظيم المجتمعي، في الولايات المتحدة الأمريكية وفي مناطق أخرى من العالم، فإنها كانت وستبقى “قيد البحث” دائما وأبدا.

وأود هنا أن أعبر عن امتناني لنسرين الحاج أحمد وزملائها، ميس العرقسوسي ومؤسسة أهل، وسمر دودين ومؤسسة الرواد لصداقتهم وتعاونهم والتزامهم العميق بمجتمعهم وشعبهم ومستقبله، وبتطوير القيادة وبناء القدرات المؤسساتية وتجهيزها بالطاقة الضرورية لصياغة مستقبلها. وإني لم أر مثيلاً في حياتي لاتساع وعمق ونطاق عملهم من حيث التنوع والابداع وإمكانيات النمو. لقد سعدت جدا بالتعلّم من الطرق المبتكرة، والحساسة والشجاعة التي يستخدمونها سعيا وراء تحقيق هدفهم.

آمل أن تستخدموا هذا الدليل خير استخدام، وأن تكون هذه “الملاحظات حول التنظيم المجتمعي” نقطة بداية لكم، لا نقطة نهاية، منصة لطرح الأسئلة وليس الاجابات، ودعوة للدخول في رحلة من القيادة والتعلّم والعمل، وهي رحلة نعمت بها وآمل أن تلقي بنعيمها عليكم.

مارشال غانز

محاضر أقدم في السياسات العامة

جامعة هارفرد

الملاحظات حول التنظيم المجتمعي

البروفيسور مارشال جانز

حمّل الكتاب