Slide
Slide
Slide
Slide
previous arrow
next arrow
Slide

في سياق سياسي واجتماعي يزداد ضيقًا، يبدو أحيانًا أن كل شيء ساكن. لكن ما نشهده على الأرض يقول غير ذلك. هناك حركة تتكوّن بهدوء، مجموعات من أهل القضايا تنظّم نفسها، تبني فرقًا، وتحوّل الاحتياج اليومي إلى فعل جماعي متراكم. هذه التحركات لا تأتي دفعة واحدة، لكنها تتقدّم خطوة وراء خطوة، وتغيّر اتجاه المشهد ببطء ثابت.

previous arrow
next arrow
Slide

نعم، هناك ثمار قُطفت هذا العام. تغييرات تحقّقت ونجاحات قادها أهل القضايا أنفسهم حين التزموا بنهج التنظيم، وبنوا فرقهم، وخاضوا خطوات متراكمة أوصلتهم إلى مطالب واضحة.

previous arrow
next arrow
Slide

هكذا نرى «أهل»: جزءًا من منظومة أوسع لا تُبنى بخط واحد ولا بجهة واحدة. لذلك كان عملنا هذا العام استثمارًا واعيًا في بناء بيئة فاعلة ومتنوّعة، تتعلّم وتختبر وتوسّع القيادة، بحيث يمتد أثر العمل خارج حدود أي برنامج أو فريق.

previous arrow
next arrow
Slide

ولأنّ التضامن، بالنسبة لنا، ليس قيمة نرفعها عند الأزمات فقط، بل ممارسة حاضرة في كل ما نقوم به: في كيف نجمع المجموعات المختلفة، وفي مساحات التعلّم التي نفتحها، وفي طرق تواصلنا وتفاعلنا مع المجتمع المدني في المنطقة. هو خيط يربط العمل المعرفي بالتنظيمي، والتعلّم بالفعل، والمحلي بالإقليمي.

previous arrow
next arrow
Slide

ولأن من مسؤوليتنا أن نذكّر، في زمن الإحباط، بأن التغيير ممكن، وأن النجاح يُقاس بالفعل المتراكم لا بالشعارات. لذلك انطلق عملنا المعرفي هذا العام من الميدان نفسه، ومن تجارب القياديين والقياديات كما عاشوها على الأرض.

previous arrow
next arrow
Slide
previous arrow
next arrow
Slide
previous arrow
next arrow
Slide
Slide
Slide
previous arrow
next arrow
Slide
previous arrow
next arrow
Slide
previous arrow
next arrow
Slide
previous arrow
next arrow
Slide
previous arrow
next arrow
Slide
previous arrow
next arrow
Slide
previous arrow
next arrow
Slide
previous arrow
next arrow
Slide
Slide
Slide
previous arrow
next arrow
Slide
previous arrow
next arrow
Slide
previous arrow
next arrow
Slide
previous arrow
next arrow
Slide
previous arrow
next arrow
Slide
previous arrow
next arrow
Slide
previous arrow
next arrow
Slide
previous arrow
next arrow
Slide

نبدأ من حيث هم أهل القضية

تأمّل شخصي من تجربة ممكنة في تنظيم أهل القضية.

فرح هلسا

مديرة تمكين الحملات | أهل

نبدأ من حيث هم أهل القضية.

Meet them where they are

هذه ليست خطوة أولى في مسار عمل، ولا تحديدًا لمكان لقاء، ولا ترتيبًا لبرنامج، ولا حركة ميكانيكية في دليل إرشادي. هي لحظة تموضع. الوقوف على الأرض نفسها التي يقف عليها أهل القضية، والإصغاء لإيقاع حياتهم. إنها مسؤولية، ولها بعد أعمق من أي توصيف وظيفي. حين نفكّر بدور الممكنة التي ترافق الحملات الحقوقية في مسارها نحو التغيير، نفهم أن رحلة التغيير التي تمر بها الحملات والمجموعات التنظيمية هي بحد ذاتها رحلة تحرّر، تفكّك من التسلّط والقمع، وبناء قوة لأهل القضية. من هنا، تصبح مسؤولية الممكنة أن تكون جزءًا من مسار التحرّر هذا، لا أن تقف خارجه، ولا أن تعمل بعكس اتجاهه.

في نهج التنظيم المجتمعي، نعرّف القيادة بأنها تمكين الآخر من التصرّف في ظل الغموض. وهذا الغموض محكوم بعوامل كثيرة تختلف من سياق إلى آخر، ومن قضية إلى أخرى، ومن مجموعة إلى غيرها. لذلك، تبقى بوصلة الممكنة هي أهل القضية والأرض. وهذه دلالة مهمّة، لأن نهج التنظيم المجتمعي لم يأتِ من الأكاديميا أو من قاعات تدريب، بل تطوّر من تجارب تغييرية عاشها ناس وبنوا قوتهم من داخلها.

في تجربتي خلال السنوات الخمس الماضية في التنظيم، تعلّمت أن التمكين الحقيقي يفترض احترامًا عاليًا لأهل القضية لسببين. الأول، لأن أهل القضية هم الأعرف والأقدر على فهم قضيتهم. عاملات الزراعة، مثلًا، هنّ الأعرف بالمعاناة والتحديات المعاشة في حياتهن اليومية، سواء تعلّق الأمر بالتعرّض للمبيدات ولسعات الحشرات، أو بالمعاناة الصحية الناتجة عن غياب المرافق الصحية، وهنّ الأعرف أيضًا بكيفية التعامل مع صاحب العمل. السبب الثاني هو أن أهل القضية، مهما كان واقعهم، يمتلكون مواردهم الخاصة. علاقاتهم، مساحاتهم، قربهم الجغرافي، وحتى إمكاناتهم لو كانت بسيطة، هي ما يتحرّك منه التنظيم فعلًا. البناء على ما لديهم من معرفة بالسياق والقضية، والبناء على مواردهم وتجاربهم السابقة في التغيير، من دون نسفها أو البدء من الصفر، يعني أن تبقى قيادة التغيير في أيديهم، وأن تتوفّر أسس لاستمرارية عملهم وتنظيمهم باستقلالية.

أتذكرمشهد من تجربتي في لحظات أكّدت لي كل ما سبق، وأثبتت أن الأرض هي البوصلة لكل ممكنة. في مرافقتي لحملة «جمعتنا قوتنا» بقيادة عاملات الزراعة من أغوار الأردن، و في التحضير لتكتيك «إيد بإيد منعلّم بعض»، كان الهدف أن تتعلّم العاملات من بعضهن حقوقهن الصحية في العمل. حاولت في البداية أن أقدّم نموذجًا لطريقة تعليم بدت لي مناسبة. لكن عندما بدأت القياديات في الحملة تمثيل النماذج، خرجت إحدى العاملات، ريما، عن هذا الإطار، وبدأت تعلّم زميلتها، ناريمان، من خلال تجارب عاشتها العاملات في المزارع. قالت لها: “بتتذكّري لما أم معاذ أغمى عليها في البيت البلاستيكي وهمّ برشّوا جنبها؟ أو لما صابني اختناق ورجّعني صاحب العمل عالبيت واضطريت أتعالج أشهر على حسابي؟” ثم سألتها: “صار معكم إشي زي هيك بالشغل؟”

من هناك، انتقلت ريما إلى الحديث عن القانون، وربطته مباشرة بهذه التجارب. شرحت أن نظام عمّال الزراعة يفرض على صاحب العمل توفير أدوات الصحة والسلامة على حسابه، وأنه ملزم بتغطية تكاليف العلاج في حال الإصابة. كانت تشير إلى ورقة مصوّرة تعبّر عن المواد القانونية التي ذكرتها. أنهت اللقاء بطلب بسيط وواضح من ناريمان: “زي ما انتي تعلّمتي هلا، بتقدري تاخدي الورقة وتعلّمي خمس عاملات غيرك، عشان إذا تعلّمنا مع بعض نقدر نطالب مع بعض بحقوقنا”.

هذا التكتيك آو الطريقة كانت من أسباب وصول حملة «جمعتنا قوتنا» إلى 1472 عاملًا وعاملة تعلّموا حقوقهم الصحية، وطالبوا بأدوات الصحة والسلامة والمرافق الصحية في أكثر من أربعين مزرعة. تحقّق هذا التغيير من دون وجود خبير قانوني أو خبير تفاوض، ومن دون أي تدخّل خارجي، بل من خلال أهل القضية أنفسهم. استخدمت العاملات قربهنّ الجغرافي للوصول إلى هذا العدد، واستخدمن تجاربهن المعاشة وحوّلنها إلى قصص قوة دفعتهن للتصرّف والمطالبة.

إذاً، أين يأتي دوري كممكنة هنا؟ دوري أن أحافظ على جوهر التنظيم المجتمعي، وأن ألبس أكثر من قبعة بحسب حاجة الحملة. أحيانًا يكون دوري تيسيريًا، لدعم الحملة في الخروج باستراتيجية واضحة، تحتوي على هدف قابل للقياس وخطة عمل تبني قيادة الآخرين وتنطلق من مواردهم. في تجربة تيسير استراتيجية لشبكة متطوّعين قائمة منذ عام 2015، كان دوري أن أبني على نجاحاتهم واستراتيجياتهم السابقة، لا أن أنسفها أو ألغيها. وبحكم المسافة التي أملكها كممكنة، أطرح أسئلة تضيء على قوّة المجموعة، وأحيانًا أسئلة تتحدّاهم للنظر إلى الأمور من زاوية جديدة.

دوري أيضًا أن أحرص على الحفاظ على جوهر القيادة التشاركية وثقافة العمل الجماعي، وأن أتحدّى القياديين والقياديات لممارستها فعليًا، سواء في أعراف الفريق، أو في توزيع المسؤوليات، أو في المساءلة. ودوري أن أساعد الحملة على التوسّع ضمن بنية تضم فرقًا قيادية، تضمن بناء قيادات جديدة واستمرارية العمل. كما يشمل دوري تيسير حوارات صعبة وقرارات مفصلية، وضمان أن يبقى جوهر التنظيم حاضرًا في الممارسة اليومية، من خلال بناء علاقات قائمة على القيم المشتركة، والتصرّف الذي يحفّز أكبر عدد ممكن من أهل القضية على الفعل.

وأخيرًا، دوري كممكنة هو جلب تجارب حملات أخرى للتعلّم منها والبناء عليها. فالممكنة الجيّدة ليست من تمتلك شهادات أكثر، بل من عاشت تجارب مختلفة مع مجموعات وحملات في سياقات متنوّعة، ولديها القدرة على تحليل هذه التجارب ونقدها والتأمّل فيها للتعلّم.

وفي النهاية، أتعلم كل يوم من تجارب الحملات على الأرض، أن مرافقة الحملات ليست مسار نمو مهني فقط، بل مسار نمو شخصي أيضًا. حين أرافق حملة في رحلتها نحو التحرّر، أكون جزءًا من هذا المسار، لا خارجه. أتعلم من تنظيم الآخرين من أجل العدالة والحرية، وأكتشف أن هذا التعلّم لا يضيف إلى خبرتي فقط، بل يوسّع مساحة حريتي أنا أيضًا.

 

من مسرح المقهورين إلى مسرح القادرين

تأمّل في استخدام المسرح كأداة تمكينيّة مع عاملات الزراعة

نور الديسي

ممكنة حملات و مديرة برامج | أهل

هل جرّبتِ يومًا قراءة كلمة غريبة بصوت منخفض، فتبدو مألوفة، ثم حين تحاولين نطقها علنًا يتعثّر لسانك، رغم أنك قلتِها مرارًا في داخلك؟

هذا التلعثم لا يأتي من الجهل بالكلمة، بل من غياب تجربة النطق أمام الآخرين.

يشبه هذا كثيرًا ما نواجهه في عملنا مع القياديات على الأرض. فالمطالبة بالحق، والتفاوض مع صاحب القرار، لا تبدأ عند لحظة المواجهة نفسها، بل قبلها بكثير. تبدأ حين نمتلك مساحة نجرّب فيها الصوت، والخطوة، وردّة الفعل، من دون خوف فوري من العواقب.

في غمرة العمل وضغط الحاجة إلى التصرّف، نصطدم أحيانًا بحائط من التردّد:

هل سنقدر على المطالبة؟

هل نعرف كيف نتصرف بالشكل الصحيح؟

وهل يمكن أن نحمي أنفسنا ونحن نواجه؟

انطلاقًا من إيماننا بأن التعلّم الحقيقي يحدث عبر الممارسة، حاولنا كسر هذا الحائط من خلال جلسة تجريبية باستخدام مسرح المقهورين (مسرح المنتدى)، كأداة تمكينيّة تنسجم مع نهجنا في بناء القوة من القاعدة. لم يكن الهدف عرض معاناة العاملات، بل خلق مساحة آمنة يجرّبن فيها الفعل قبل خوضه في الواقع.

مسرح المقهورين هو منهج مسرحي تربوي تفاعلي، يقوم على فكرة أن المسرح ليس مساحة للفرجة، بل مختبر جماعي للفعل. في مسرح المنتدى، يُعرض مشهد قصير يتضمن قهرًا واقعيًا، ثم يُعاد مع إتاحة المجال للمشارِكات لإيقافه، والدخول مكان الشخصية المتأثرة بالقهر، وتجريب خطوة عملية واحدة لتغيير مسار الحدث، فيما تمثّل باقي الشخصيات ردّ الواقع كما هو، لا كما نتمناه.

قدّمنا سيناريو واقعيًا يتعرّض فيه صاحب المزرعة للعاملات بالتسلّط، محاولًا إجبارهن على العمل لساعات إضافية دون زيادة الأجر أو توفير شروط السلامة. في المشهد الأول، لم تقم العاملة بأي ردة فعل. عندها أُوقِف المشهد، وبدأ نقاش مفتوح، كان السؤال عن مشاعر العاملات محوريًا: ماذا شعرتِ؟ أين علِق الصوت؟ ومتى يصبح الصمت أثقل من المواجهة؟

ساعد هذا النقاش العاملات على استكشاف كيف نعيش الظلم، وكيف نتعامل معه عادة، وما الذي يمنعنا من التصرّف، لا كنصيحة خارجية، بل من داخل التجربة نفسها.

أُعيد المشهد مرة أخرى، ودُعيت العاملات للتدخّل وتجريب طرق مختلفة للتفاوض. طالبت إحداهن بصوت مرتفع، حاولت أخرى التحايل، عبّرت ثالثة عن خوفها من التصرّف الفردي خشية الطرد، واقترحت بدلًا من ذلك التفاوض الجماعي. هنا بدأ النقاش يتحوّل من توصيف المأزق إلى التفكير بالفعل.

ماذا سنقول؟

كيف نُظهر قوتنا؟

هل نتفاوض بشكل فردي أم جماعي؟

وكيف قد تكون ردّات فعل صاحب العمل؟

مع كل تجربة، اتّسعت مساحة الحرية، وازدادت ثقة العاملات بقدرتهن على إدارة الحوار. لم تكن هذه ثقة نظريّة، بل معرفة مجرَّبة: ما الذي ينجح، ما الذي يعرّضنا للخطر، وما الذي يمنحنا قوة أكبر. في نهاية الجلسة، صمّمن معًا قائمة واضحة للسلوكيات: ماذا نفعل، وماذا نتجنّب، عند التفاوض مع صاحب القرار.

الأهم في هذه التجربة أنها لم تكن فردية. جلستان، مجموعتان، تعملان على القضية نفسها في سياقات مختلفة، اختبرن المشهد معًا. هذا اللقاء خلق إحساسًا بأن العاملات لسن وحدهن، وأن ما يواجهنه ليس حالة معزولة، بل جزء من واقع مشترك. رؤية أخريات يواجهن التسلّط ذاته، ويجرّبن ردود فعل مختلفة، عزّزت الإحساس بأن العمل ممكن، وأن القوّة لا تُستعار من الخارج، بل تتشكّل بين الناس.

بعد هذه الجلسة، قادت العاملات في حملة «ساندوهن» تكتيكًا فعليًا للتفاوض مع صاحب المزرعة. وكان لافتًا كيف صمّمن هذا التكتيك انطلاقًا من ممارسة جماعية بسيطة يعرفنها جيدًا: الإفطار المشترك. دعون صاحب المزرعة للطعام والحديث، في وقت ومكان مريحين له، وبدأن التفاوض من موقع جماعي هادئ، لا من لحظة صدام.

تكمن أهمية هذه التجربة في أنها تنطلق من إيمان عميق بقدرة العاملات وخبرتهن الأصيلة على الأرض. كل ما احتجناه هو مساحة آمنة للتجربة، تُطلق ما لديهن من معرفة وقوة، وتحول التردّد إلى فعل مدروس.

سياسيًا، ما حدث هنا يتجاوز التعلّم أو اكتساب مهارة تفاوض. ما جرى هو انتقال في الموقع: من موقع المتلقّي للظلم إلى موقع الفاعل القادر على التفكير والتصرّف جماعيًا. هذا النوع من التمكين لا يواجه التسلّط فقط، بل يزعزع منطقه، لأنه يكسر العزلة، ويعيد توزيع القوّة، ويُخرج القرار من يد الفرد المعزول إلى يد الجماعة.

في هذا المعنى، لم يعد المسرح مساحة رمزية، بل ممارسة سياسية مصغّرة: بروفة على الفعل، واختبار للحدود، وبناء تدريجي لثقة تقول إن ما نجرّبه هنا يمكن أن نعيشه هناك، في الحقل، وفي لحظة المواجهة الحقيقية.

هكذا، لا يتحوّل مسرح المقهورين إلى مسرح القادرين لأن القهر اختفى، بل لأن الناس تعلّموا كيف يقفون داخله معًا، ويتحرّكون، ويتكلّمون، ويتصرّفون بوصفهم قوة جماعية.

شبكة تبني التضامن: حكايتي مع “أثر”

تأمّل شخصي من داخل شبكة “أثر”، مساحة تنظيمية وتضامنية تجمع قياديين.ات من سياقات ونضالات مختلفة في المنطقة العربية.

سلوى حماد

ناشطة مجتمعية فلسطينية، عضوة “أثر” فلسطين

كعضوة في شبكة “أثر”، أعود بذاكرتي إلى البدايات…

حين أتفكّر في البدايات الأولى لشبكة “أثر”، قبل ما يزيد عن خمسة أعوام، أراها شبكة صغيرة كانت تبحث عن لغتها المشتركة، وعن حدودها ودورها، وعن شكل العلاقة بين أفرادها كمساحة آمنة للتعلّم والتجربة. ما كان يجمعنا وقتها هو الإيمان بأن التنظيم المجتمعي يمكن أن يكون أداة حقيقية لبناء قوة الناس، لكن الطريق كان غير واضح، والخطوات كانت مليئة بالأسئلة أكثر من الإجابات. كنا نقول لأنفسنا دائمًا إن الشبكة ما زالت تجرّب، وأننا في مرحلة بناء، لكن في داخل كلٍّ منا كان الحلم أكبر بكثير من تلك الجمل التي نستخدمها لنخفّف توترنا. كنا نريد أن نصل إلى ما وصلنا إليه اليوم، إلى وجود “أثر” كمساحة نضالية وتضامنية تدعم صمود أعضائها بالمعرفة والتضامن والتحرّك في قضايانا المختلفة.

ععلى امتداد السنوات، ومع كل محطة تعلّم وخلوة، تغيّر فهمي لـ”أثر” من كونها شبكة تعزّز التعلّم والمعرفة بين أعضائها، إلى شبكة موارد وتواصل واسعة تفتح أمامنا احتمالات لا تنتهي لما نتقنه وما يمكننا فعله، وإلى بنية قيادية تتشكّل ببطء وبإصرار. صار واضحًا لي أن دور كل عضو وعضوة لا يقتصر على حضور الجلسات، بل يشمل حمل مسؤولية مشتركة في صون الشبكة، وتطويرها، وخلق مساحات آمنة للمعرفة الحقيقية، ومساحات تعطي معنى للعلاقة السياسية بيننا.

العام الماضي كان عامًا فارقًا في مسار الشبكة، وتُوِّج بالخلوة الأخيرة، وهي مساحة التقاء مطوّلة للتفكير والتقييم الجماعي، مع منسّقي ومنسّقات الفرق الوطنية. أصبح لدينا سبع فرق يمثّلها ثلاثة عشر قياديًا وقيادية مختلفين.ات في اهتماماتهم.نّ ونضالاتهم.نّ، لكن موحَّدين.ات في السعي لصنع فرق ملموس في واقع كل قيادي وقيادية في عالمنا. في تلك الخلوة، شعرت للمرة الأولى أن لدينا وعيًا جماعيًا متقدّمًا حول معنى القيادة التشاركية والمساءلة والالتزام، وأننا لسنا فقط متأثّرين بالظرف السياسي، بل قادرين أيضًا على إعادة صياغة دورنا في داخله.

أذكر صباح اليوم الثاني من الخلوة حين قامت زميلة من فريق المنسّقين.ات بتجريب لعبة جدار، سهم، أرنب معنا، لعبة طفولية تشبه حجر ورقة مقص، لكن هذه المرّة كان الجسد هو المحرّك، لا الأيدي. وقفنا في خطّين متقابلين، وكل مجموعة اختارت الحركة التي قد تجعلها تفوز على الأخرى. وفي كل الجولات، اختار الفريقان حركة الجدار. أربع اختيارات متطابقة، بلا فائز ولا خاسر. كانت لحظة فارقة بالنسبة لي. رغم اختلافنا الفكري والجغرافي والعُمري، ورغم اختلاف أقدمية عضويتنا داخل الشبكة، إلّا أننا كنا نفكّر بالطريقة نفسها. هذه اللحظة البسيطة كشفت لي شيئًا عميقًا، حيث لم تعد “أثر” مجرد فضاء نتعلّم فيه، بل فضاء نتغيّر من خلاله.

ومع كل حملة وكل موقف وكل لحظة دعم بين الأعضاء، صار واضحًا لي أن “أثر” أصبحت مرجعيتنا الأخلاقية والسياسية الصغيرة. مساحة تذكّرنا بأن الفعل المجتمعي الحقيقي يبدأ من علاقتنا ببعضنا، قبل أن يبدأ في الشارع أو المؤسسة أو الإعلام. تعلّمت من “أثر” قيمة الاتساق، وقيمة العمل الذي لا يسعى للظهور بل للجدوى، وقيمة أن نبني قوة تتشكّل من التفاصيل الصغيرة لتصل إلى الثبات.

ولا يمكن لنا، مهما حاولنا، أن ننفصل عن واقع منطقتنا اليوم: الحروب الممتدّة، القمع السياسي، النزوح، التفكّك المجتمعي، وضيق المساحات الآمنة. كل هذا يجعل وجود شبكة مثل “أثر” أكثر إلحاحًا. لكن المفارقة أن هذا الوقت الصعب، بدل أن يضعفنا، جعلنا نعيد تعريف معنى التنظيم المجتمعي ومعنى التضامن. لاحظت هذا التحوّل بوضوح هذا العام؛ بات الأعضاء أكثر حساسية لبعضهم، وأكثر قدرة على رؤية الوجع كدافع للفعل وليس كحائط. صرنا نعرف أن العمل العام يحتاج إلى مرونة، وإلى إعادة ترتيب للأولويات، وإلى شجاعة صغيرة نحميها في بعضنا كلما ضاق العالم.

وأستذكر هنا موقفًا حدث خلال هذا العام، عندما قرّر فريق “أثر” فلسطين أن يدعو كل أعضاء الشبكة في مختلف الفرق لإرسال رسائل اطمئنان وتضامن لأعضائنا في غزة، في الوقت الذي كانت حرب الإبادة والتجويع في أشدّها عليهم. حضّر الفريق جدولًا بأسماء الأعضاء المتواجدين في غزة وأرقام هواتفهم للمراسلة، وحدّدوا اليوم والساعة. وبدأت عاصفة التواصل التي حملت كلمات بسيطة لكنها صادقة: نحن معكم، لن ننساكم، نعيش وجعكم رغم عجزنا عن تغيير ما يقع عليكم. لم نكن نعلم حينها هل ستصل هذه الرسائل أم لا، ولمن ستصل، ومن سيظهر له تعذّر الوصول. لكن المفاجأة جاءت في الردود التي وصلت لمن راسلهم. ردود حملت مشاعر تخطّت الحدود والحواجز والآليات العسكرية التي كانت تطوّق غزة. كلمات الشكر والامتنان والمحبة عزّزت صمودنا نحن أيضًا، وذكّرتنا بقوّتنا ككيان واحد يتحرّك بمجمله لقضاياه المحِقّة. وحتى اليوم، ما زال أعضاؤنا في غزة يتحدّثون عن “أثر” تلك الرسائل عليهم، وكيف جاءت في وقتها المناسب تمامًا.

ورغم كل هذا الثقل، أحمل يقينًا متجدّدًا بأن “أثر” ما زالت قادرة على أن تكون مساحة أمل. ربما يكون هذا الأمل هادئًا وغير صاخب، لكنه متين، مبنيّ على الاستمرارية، وعلى العلاقات الصادقة، وعلى القدرة على خلق نقاط ضوء صغيرة في زمنٍ معتم. ما تعلّمته من “أثر” هو أن التغيير لا يحدث دفعةً واحدة، بل يتشكّل عبر لحظات صغيرة من الوضوح، عبر مساحات نقاشات سياسية قد لا نتّفق عليها كلّنا، لكنها تبقى مفتوحة، وعبر بناء قوة تعيش في التفاصيل.

اليوم أنا أكثر ثقة بأن “أثر” ليست برنامجًا عابرًا، وما كانت كذلك يومًا، بل هي ممارسة ممتدّة. شبكة تصنع نسختها الخاصة من الأمل عبر ناسها وقصصهم، وعبر قدرتهم على تحويل لحظات يأسهم وقلة حيلتهم إلى قوة جماعية. وربما هذا أجمل ما في الرحلة: أننا ما زلنا معًا، وما زالت مساحة التجريب والمرونة مفتوحة، وما زلنا نتعلّم من نضالاتنا وتجاربنا، وما زلنا نختار أن نقف معًا، رغم كل شيء.

سلوى حماد

حين اختار الناس الفعل: ما تعلّمته من قافلة صمود

تأمّل شخصي في قوّة الناس من تجربة ” قافلة الصمود”.

هناء طرابلسي

ناشطة مجتمعية تونسية، عضوة في “أثر” تونس

لم تكن هناك خطّة، ولا نقاش طويل، ولا ميزان عقلاني يزن المخاطر.

كانت لحظة قصيرة، عابرة في ظاهرها، لكنّها حملت ثقلًا هائلًا في معناها. صديقة تقول: “فمّا قافلة لكسر الحصار على غزة”. وجوابي يخرج قبل أن يكتمل السؤال: “نمشي”.

في ثوانٍ معدودة، اتُّخذ قرار أعاد ترتيب أشياء كثيرة في الداخل.

تلك اللحظة المفصلية لم تكن بطولة، بل لحظة فتحت مسارًا.

من هنا تبدأ هذه الحكاية. ليست حكاية بطولة فردية، بل محاولة لفهم قوّة الناس حين تتحرّك خارج الحسابات الضيّقة، وداخل إحساس جمعي بالمسؤولية.

القضية لم تكن فقط غزة، رغم أن غزة كانت القلب النابض لكل شيء. القضية الأوسع كانت سؤال الفعل نفسه: كيف تتحوّل مشاعر الغضب، العجز، والاختناق إلى فعل جماعي منظّم؟ وكيف يصبح “الناس العاديون” قوّة سياسية وأخلاقية قادرة على كسر السكون، حتى وإن لم تكسر الحصار ماديًا؟

القافلة كانت فعلًا رمزيًا، نعم، لكنّها كانت أيضًا ممارسة حيّة لقوّة الناس، كما تظهر في لحظات التاريخ المفصلية: حين يسبق الفعلُ التبرير، وتسبق الأخلاقُ الحسابات.

منذ لحظة التسجيل في الاستمارة، بدأ الصراع الداخلي. صراع بين الخوف والحماسة، بين صوت العقل الذي يسأل: “شنوّة العواقب؟” وصوت آخر أعمق يقول: “الصمت أخطر، الصمت تواطؤ في جريمة”.

هذا الصراع لم يكن فرديًا، بل كان مشتركًا بين أغلب من التحقوا بالقافلة.

ما جمع الناس لم يكن وحدة الخلفيات، بل وحدة الإحساس: إحساس بأن البقاء في المكان نفسه، نفسيًا وأخلاقيًا، لم يعد ممكنًا. في هذا التوتّر، شعرتُ للمرّة الأولى بشيء يشبه قوّة الناس.

خارجيًا، كان الصراع أوضح: تضييق، تشويه، تخويف، وأسئلة جاهزة عن “الجدوى”. لكن ما يلفت في القافلة ليس حجم القمع، بل طريقة التفاعل معه. لم يكن الرد صداميًا، بل تنظيمًا، وانضباطًا، وإصرارًا هادئًا.

الناس لم تتحرّك ككتلة فوضوية، بل كجسم واعٍ، يعرف حدوده ويعرف أيضًا لماذا وُجد. هنا تظهر قوّة الناس في بعدها العملي: حين يتحوّل الغضب إلى سلوك منضبط، وحين تصبح الأخلاق أداة مقاومة.

مع مرور الأيام، بدأت أرى القافلة لا كحدث سياسي فقط، بل كمساحة اكتشاف. اكتشاف للناس، ولنفسي، ولما يمكن أن يحدث حين تلتقي الإرادة مع الجماعة. القافلة جمعت تونسيين، جزائريين، ليبيين، وموريتانيين. جمعت ناسًا من أعمار مختلفة، من مهن مختلفة، من تجارب نضالية متفاوتة. لم نكن نسخة واحدة، ولم نكن متفقين على كل شيء. لكنّ فلسطين كانت نقطة الالتقاء الوحيدة، والكافية.

أوّل موضع ظهرت فيه قوّة الناس بوضوح كان في اتّخاذ القرار الجماعي السريع.

لم تنتظر القافلة إجماعًا مثاليًا ولا ضمانات. الناس قرّرت وهي تعرف أن الطريق غير مضمون. التحرّك نفسه أصبح شرطًا لاستعادة الكرامة، لا نتيجتها.

أوّل ما صدمني كان الشعور بأن الحدود اختفت. في ليبيا، خاصّة في الجهة الغربية، لم يكن الاستقبال مجرّد تنظيم أمني أو بروتوكول. كان استقبال ناس يرون فيك امتدادًا لهم. رأيت في عيونهم أملًا أكبر منّا أحيانًا. لحظتها، فهمت أن قوّة الناس لا تكمن فقط في قدرتهم على التحرك، بل في قدرتهم على الاعتراف ببعضهم البعض.

ثم توقّفنا في سرت. توقّف قاسٍ، مفاجئ، ومربك. ثلاثة أيام من الحصار، من الانتظار، من القلق. ظننت في البداية أن هذا التوقّف سيكسرنا. لكن ما حدث كان العكس.

الحصار لم يُضعفنا، بل عرّى ما فينا. جلسنا نحكي، نختلف، نضحك أحيانًا، وننهار أحيانًا أخرى. القافلة تحوّلت من مسار إلى مساحة إنسانية مكثّفة. هناك، اكتشفت شكلًا آخر من قوّة الناس: القدرة على البقاء معًا في لحظات اللايقين.

في سرت، كان الصراع داخليًا وخارجيًا في آن واحد. خارجيًا، كنّا محاصَرين، ممنوعين من التقدّم، تحت ضغط واضح. داخليًا، كان السؤال يتردّد: هل هذا يستحق؟ هل سنكمل؟ هل نحن نعرّض أنفسنا والآخرين للخطر بلا جدوى؟

ما منع الانفجار لم يكن الإجابات، بل طريقة إدارة الأسئلة.

كل قرار صار جماعيًا، وكل تردّد كان يُناقش، لا يُدان.

اللحظة الأصعب جاءت حين تم إيقاف، أو بالأحرى خطف، حوالي خمسة عشر ناشطًا من القافلة. هنا تغيّر كل شيء. الهدف الذي جئنا من أجله حاولوا تحويله إلى معركة جانبية: تحرير زملائنا. شعرت بالخوف، بالغضب، وبالعجز في آن واحد. لكنّي رأيت أيضًا كيف يمكن لقوّة الناس أن تظهر في أحلك اللحظات.

الناس لم تنقسم بسهولة. صحيح أن الخلاف كان حادًا: هل نواصل مهما كان الثمن؟ هل نعود حفاظًا على سلامة الجميع؟ هل نطيع قرار التنسيقية حتى وإن اختلفنا معه؟ كانت لحظة مفصلية، وكان يمكن أن تنتهي بقطيعة. لكن ما حدث كان نقاشًا مؤلمًا وصادقًا، لم يتحوّل إلى كسر داخلي.

اكتشفت هنا أن قوّة الناس ليست في الاتّفاق الدائم، بل في القدرة على إدارة الاختلاف دون تدمير الجماعة.

قرار العودة إلى مصراتة لم يكن سهلًا، ولم يكن مرضيًا للجميع. شخصيًا، شعرت بهزيمة داخلية. لكن مع الوقت، بدأت أفهم أن التراجع أحيانًا ليس خيانة، بل اختيارًا لحماية الجماعة. كان في القافلة أطفال وكبار سنّ، وكان الضغط النفسي هائلًا. احترام القرار الجماعي، رغم الألم، كان شكلًا آخر من القوّة.

بعد يومين، أُفرج عن الجميع. تعبنا، استُنزفنا، ولُعب بأعصابنا. من الخارج، قد يبدو أننا فشلنا. لم نكسر الحصار، ولم نصل إلى غزة. لكن داخليًا، كنت أعرف أن شيئًا تغيّر.

التحوّل الذي أحدثته التجربة لم يكن خارجيًا فقط، بل داخليًا أيضًا. تغيّر معيار الخوف، ومعنى المسؤولية، وحدود الممكن. هذا التحوّل هو الأثر الأعمق لقوّة الناس.

اكتشفت أن قوّة الناس لا تُقاس فقط بالنتائج، بل بالتحوّلات. بالقدرة على اتّخاذ قرار جماعي، على الصمود تحت الضغط، وعلى الحفاظ على الإنسانية وسط القمع.

هذه القافلة لم تحرّر غزة، لكنّها حرّرت فينا شيئًا. كسرت وهم العجز، وأعادت تعريف الفعل. بالنسبة لي، لم تعد قوّة الناس فكرة مجرّدة، بل تجربة عشتها: في لحظة قرار، في حصار، في خلاف، وفي عودة مثقلة لكنها واعية.

وربّما هذا هو أهمّ ما خرجتُ به: أن قوّة الناس لا تختفي حين نُمنع، بل تظهر بوضوح أكبر حين نُختبر.

حملة، حراك، حركة: لماذا يهمّ التمييز بينها؟

تأمّل في تأمّل في فهم هذه المسارات للتغيير وبناء قوّة الناس

ساره العوطه

ناشطة نسوية عربية ومستشارة في برامج التضامن والتبادل مع مؤسسة أهل

في عملنا اليومي في ساحة العمل المدني، كثيرًا ما نستخدم كلمات مثل “حملة” و”حراك” و”حركة” كأنها مترادفات. لكنّي تعلّمت من سيمنار الحركات الاجتماعية الذي قمنا بتجربته هذا العام في أهل، أنّ الفرق بينها ليس تنظيرًا أكاديميًا؛ هو فرق يؤثّر مباشرة على شكل التخطيط، ويعدّل توقّعاتنا، ويحمينا من الإحباط، ويساعدنا على بناء قوّة تعيش وتستمر، بدل أن تشتعل ثم تنطفئ.

الحركة هي “النحن” الطويلة النفس. ليست حدثًا واحدًا، ولا منظمة واحدة، ولا سنة أو اثنتين، بل مسار تخوضه أفراد ومجموعات وجهات تعمل حول قضايا صراعية، وتتشارك إحساسًا بالانتماء والهوية الجمعية. بحسب ماريو دياني، تُفهم الحركات الاجتماعية عبر تداخل ثلاثة عناصر أساسية: شبكات العلاقات، والهوية الجمعية، وطبيعة الصراع. وهو يحذّر من الخلط بين “الحركة” وبين “منظمات الحركة” أو “مجرد عمليات التعبئة”.

هذا التحذير مهم، لأننا في المنطقة نميل أحيانًا إلى ربط وجود الحركة بوجود مؤسسة واحدة، أو حملة واحدة، أو لحظة نزول كبيرة. بينما قد تستمر الحركة حتى حين لا تكون هناك تظاهرات أو أضواء، طالما ظلّت الهوية والمعنى والشبكات حاضرة. والأخطر من هذا الخلط أنه قد يفتح الباب أمام احتكار معنى التغيير وتمثيل القضية من جهة واحدة، تتصرّف كأنها الناطق الوحيد باسم الناس.

في واقعنا، كثيرًا ما يُختزل وجود الحركة في مؤسسة، أو نقابة، أو مجموعة أشخاص، أو حملة بعينها. بينما الفهم الأدق يساعدنا على رؤية أن الحركة لا تمثلها جهة واحدة ولا شكل تنظيمي واحد، بل تتجسّد عبر مسارات متعددة تتقاطع وتختلف وتتعاون: مبادرات قاعدية، مجموعات شبابية، نقابات، جمعيات، إعلاميون وإعلاميات، أفراد، وروابط مجتمعية. هذا الفهم يعيد التغيير إلى مكانه الطبيعي: فضاء جماعي مفتوح تُبنى فيه القوة بالتعدد، لا بالاحتكار.

في لبنان، مثال واضح على هذا الفهم هو الحركة النسوية. فهي ليست “الجمعيات النسوية” فقط، رغم أهميتها، بل شبكة أوسع من فاعلات وفاعلين يشتغلون على المعنى والصراع والهوية في أماكن متعددة. جزء من هذا “النحن” النسوي يتجسّد أيضًا في أطباء وطبيبات، خصوصًا العاملين والعاملات في مجال الصحة الجنسية والإنجابية، الذين ساهموا في كسر الصورة النمطية عن جسد المرأة باعتباره موضوعًا للرقابة والعيب، وعن دورها باعتباره محصورًا بالإنجاب.

عبر ممارسات طبية أكثر احترامًا لخيارات النساء، وتقديم معلومات بدل الوصم، والدفاع عن حق المرأة في القرار والمعرفة والخصوصية، أصبح الجسد مساحة سياسية وحقوقية داخل العيادة كما في الشارع. بهذا المعنى، العيادات، وغرف الاستشارة، والمنصات الطبية ليست خارج الحركة، بل أحد مساراتها الفاعلة، حيث تُبنى الهوية الجمعية واللغة المشتركة حول الحق والكرامة، وتُنسج الشبكات، ويتجدّد الصراع ضد بنى اجتماعية وقانونية تُقيّد أجساد النساء وخياراتهن.

ومن زاوية الهوية، يشرح دياني أن الهوية الجمعية ليست معطى جاهزًا أو مضمونًا؛ بل عملية تفاوض مستمرة بين فاعلين مختلفين داخل الشبكة، وقد تبقى حتى في فترات “الكمون” حين لا توجد نشاطات علنية. هذا يفسّر لماذا قد يهدأ الشارع دون أن يعني ذلك انتهاء الحركة. أحيانًا تكون الحركة في مرحلة إعادة تموضع، إعادة تعريف، وتثبيت روابطها.

في المنطقة العربية، يمكن فهم الحركة النقابية بهذا المنطق أيضًا. فهي لا تختصر بالنقابات “الرسمية” فقط، بل تُفهم كشبكات من عاملين وقطاعات وروابط مهنية تتفاوض باستمرار على معنى التمثيل وأدوات الفعل. لذلك، حين يهدأ الشارع أو تقلّ الإضرابات، لا يعني أن الحركة انتهت، بل قد تكون في كمون منتج: إعادة بناء الشبكات، حماية الفاعلين، توحيد المطالب، وتبديل التكتيكات.

الحراك، أو موجة التعبئة، هو لحظة كثيفة: خروج، حضور، غضب، أمل، وكسر حاجز في المجال العام. قد يفتح الحراك نافذة سياسية أو اجتماعية ويخلق لغة جديدة، لكنه ليس ضمانة لبناء حركة مستدامة أو حملة منظّمة. الفارق الذي أراقبه دائمًا هو: هل تتكوّن “نحن” تتجاوز الحدث؟ هل تتحوّل المشاركة إلى روابط ومسارات عمل؟ أم يبقى الأمر موجة تنحسر؟

إذا كان الحراك هو الضوء، فالحركة هي الكهرباء التي تُبقي النور شغّالًا بعد أن تهدأ الضجّة.

وهنا يأتي درس آخر حول مفهوم النجاح. نحن لا نعيش في خط مستقيم بين فعل ونتيجة. بحسب سوزان ستاغنبرغ، نتائج الحركات متعددة ومتشابكة: مقصودة وغير مقصودة، قصيرة وطويلة المدى، سياسية وثقافية ومؤسساتية، وقد تُنتج أيضًا ردّ فعل مضادًا. الأهم أن كل جولة من العمل تترك أثرًا على الجولة التالية، إمّا بتوسيع الموارد أو تقليصها، برفع الخوف أو تخفيفه، وبالتأثير على استعداد الناس للاستمرار.

لذلك، لا يصح أن نقيس حركة كاملة بمقياس حملة واحدة، ولا أن نحاكم حراكًا بسقف “إما نتائج الآن أو لا شيء”. النجاح في الحركات غالبًا تراكمي. ما يُنجز اليوم، حتى لو بدا محدودًا، قد يكون ما يجعل الجولة القادمة ممكنة وأقوى.

ولهذا، حين نميّز بين حملة وحراك وحركة، نحن لا نلعب باللغة، بل نختار عدسات مختلفة لقراءة الواقع:

  • الحملة تمنحنا وضوح الهدف والتكتيك.

  • الحراك يمنحنا لحظة جماعية تكسر العزلة والخوف.

  • الحركة هي البنية التي تجعل الاثنين قابلين للاستمرار والتراكم.

وفي أهل، تكمن أهمية هذا التمييز في أن نكون أكثر رحمة مع الطريق. أن نفرح بإنجاز حملة دون أن نختصر المعنى فيها، وأن نحتضن حرارة حراك دون أن نطلب منه أن يحمل وحده ثقل المستقبل، وأن نبني الحركة بوصفها “النحن الكبيرة” التي تعيش في التفاصيل، في العلاقة، وفي الميدان، وتحوّل الأمل من شعور عابر إلى ممارسة تنظيمية مستمرة.

—-

ماريو دياني (Mario Diani) هو عالم اجتماع إيطالي وباحث بارز في دراسة الحركات الاجتماعية.

سوزان ستاغنبرغ (Suzanne Staggenborg) هي عالِمة اجتماع وباحثة معروفة في مجال دراسات الحركات الاجتماعية (كيف تتكوّن الحركات، كيف تنظّم نفسها، استراتيجياتها، ديناميكيات النجاح/التراجع، إلخ). وهي أستاذة ورئيسة قسم علم الاجتماع في جامعة بيتسبرغ.

ديفيد إس. ماير (David S. Meyer) هو باحث وأستاذ في علم الاجتماع والعلوم السياسية بجامعة كاليفورنيا – إرفاين، وتركّز أعماله على الحركات الاجتماعية وعلاقتها بالسياسة العامة والسياق السياسي الذي تظهر فيه.

من الميدان إلى الكتابة

تأمّل من داخل تجربة بحثية وميدانية في التنظيم القاعدي خلال الطوارئ

يارا عبدالخالق

ناشطة مجتمعية لبنانية، باحثة حضرية، عضوة في “أثر” لبنان

خضتُ مع أهل تجربة كتابة ورقة بحثية بعنوان

«الحراك المدني في حالات الطوارئ: دراسة لمبادرات أهلية في لبنان خلال العدوان الإسرائيلي (2023 و2024)»

في سياق شخصي وجماعي غير مستقر، في بلد اعتاد الأزمات كحالة دائمة لا كاستثناء. فلبنان، الذي مرّ بالحرب الأهلية، والعدوان الإسرائيلي عام 2006، وجائحة كورونا، وانفجار مرفأ بيروت، عاد ليشهد مجددًا في عامي 2023 و2024 موجة جديدة من العدوان الإسرائيلي والنزوح، في ظل غياب شبه كامل لخطط طوارئ فعّالة من قبل الدولة. هذا الفراغ الرسمي ليس جديدًا، لكن ما كان لافتًا هو حجم وسرعة الاستجابة التي قادها المجتمع المدني والمبادرات القاعدية، والتي شكّلت خط الدفاع الأول عن كرامة الناس وصمودهم.

وكحال العديد من الناشطين والناشطات، وجدتُ نفسي منخرطة بشكل مباشر في دعم الاستجابة المجتمعية من خلال مبادرة اخترت التطوّع ضمنها. هذا الانخراط الميداني، وما رافقه من تجربة إنسانية قاسية خلال الحرب التي مررنا بها جميعًا، جعل من فرصة إنجاز هذا البحث أكثر من مجرّد تمرين بحثي، بل مسؤولية أخلاقية ومعرفية بالنسبة لي. فقد شعرتُ بواجب تسليط الضوء على الجهود المجتمعية التي نشأت من القاعدة، والتي أسهمت بشكل فعلي في تعزيز صمود الأفراد وقدرتهم على الاستمرار في ظل ظروف بالغة الصعوبة.

من هنا، تحوّلت عملية كتابة هذا البحث من مجرد تمرين بحثي إلى فعل توثيق ومساءلة، ومسؤولية سياسية وأخلاقية تجاه التجارب التي عشتها عن قرب، وتجاه العمل الجماعي الذي غالبًا ما يتم تهميشه أو اختزاله في الخطاب الرسمي. لذلك، لم يكن الهدف من هذه الورقة مقتصرًا على تحليل نماذج التنظيم المجتمعي خلال حالات الطوارئ، بل السعي إلى فهم هذا الحراك في عمقه، واستخلاص دروس وتوصيات يمكن أن تشكّل مرجعًا ودعمًا لناشطين وناشطات يعيشون ظروفًا مشابهة في سياقات مختلفة.

لكن الانتقال من الميدان إلى الكتابة لم يكن انتقالًا سلسًا أو محايدًا.

لقد شكّلت هذه التجربة فرصة للانتقال من موقع المشاركة الميدانية إلى موقع التحليل والكتابة، وما يحمله هذا الانتقال من تحديات وأسئلة حول الموضوعية، والتمثيل، ودور الباحثة في سياق أزمات حيّة لم تنتهِ بعد. كما أتاحت لي هذه التجربة معاينة كيفية تطبيق المفاهيم النظرية، لا سيما ما يتعلّق بالتنظيم القاعدي، والعمل الجماعي، والاستجابة المجتمعية في أوقات الأزمات.

في هذا السياق، لم تكن المنهجية النوعية التي اعتمدناها، من دراسات حالات ومقابلات وتحليل موضوعي، مجرد أدوات بحثية، بل آليات لفهم السلطة، والقيادة، والعلاقات داخل المبادرات، وكيف يمكن أن تُبنى الشرعية من القاعدة وليس بالضرورة من المؤسسات الرسمية. كما ساعدني ذلك على مقاربة التجربة الميدانية بعيون نقدية، وربطها بإطارات تحليلية أوسع تتعلّق بالعدالة الاجتماعية، والمساءلة، ودور المجتمع المدني في ظل فشل الدولة.

في ختام هذه التجربة، أدركت أن كتابة هذه الورقة لم تكن فقط توثيقًا لمرحلة طارئة، بل عملية تعلّم عميقة أعادت تعريف علاقتي بالبحث والكتابة. فبالنسبة لي البحث لا يجب أن يكون محايدًا بالضرورة، وأن اختيار ما نكتبه، وكيف نكتبه، ولمن نوجّهه، هو فعل سياسي بحد ذاته. كما أظهر لي هذا البحث أهمية التعلّم الجماعي والتقييم المشترك كأدوات لبناء معرفة تنظيمية قادرة على الاستمرار، لا الاكتفاء بالاستجابة الآنية. فالانتقال من الاستجابة إلى التنظيم، ومن الفعل الطارئ إلى الحراك القاعدي طويل الأمد، كان أحد أبرز الدروس التي انعكست في الورقة وفي عملية كتابتها. فالتجارب التي درستها، أثبتت أن العمل المجتمعي لا ينتهي بانتهاء الأزمة، بل يشكّل أساسًا لبناء قوى اجتماعية قادرة على المطالبة بالحقوق والتأثير في السياسات العامة.

انطلاقًا من هذه التجربة البحثية والميدانية، تعمّق إدراكي لدور المجتمع الذي يشكّل أكثر من إطار للاستجابة الإنسانية، بل مساحة فعل وصمود ومقاومة في وجه التهميش والتقصير الرسمي. من خلال العمل والكتابة عن هذه المبادرات، أدركت أن ما كان يُمارَس على الأرض لم يكن مجرد توزيع مساعدات، بل عملية تنظيم قاعدي تحمي الكرامة وتمنح الناس شرعية نابعة من قدرتهم على الفعل الجماعي. هذا الفهم غيّر نظرتي إلى العلاقة بين التنظيم في أوقات الحرب والتنظيم في ما يُسمّى الأوقات العادية، إذ بات واضحًا بالنسبة لي أن الاثنين متداخلان، وأن ما يُبنى في لحظات الطوارئ يشكّل أساسًا لمجتمع أكثر قدرة على المطالبة بحقوقه والسعي إلى العدالة. كتابة هذا البحث جعلتني أعي أن توثيق هذه التجارب ليس فقط حفظًا للذاكرة، بل مساهمة في مسار أطول لبناء مجتمع منظّم، متضامن، وفاعل سياسيًا، من خلال الناس ومن أجلهم.

مسؤوليتنا المشتركة: إعادة الاعتبار للمجتمع المدني والقواعد الشعبية

مقال تأمّل قيادي في مسؤولية المجتمع المدني والقواعد الشعبية، يوسّع النقاش من نقد المؤسسات إلى سؤال التنظيم والقوة الجماعية.

ريم منّاع

المديرة التنفيذية | أهل

تتردّد منذ سنوات سردية تُحمِّل مؤسسات المجتمع المدني مسؤولية ما آلت إليه ساحات العمل العام في منطقتنا من ضعف وتراجع وتشتّت. اتُّهمت بأنها «فاشلة»، أو «أدوات خارجيّة»، أو «بديل ترفيهي» عن السياسة الحقيقية. وقد تبدو هذه السردية، للوهلة الأولى، مفهومة؛ فمع الوقت، انزلق عدد من مؤسسات المجتمع المدني نحو منطق «المشاريع» بدلًا من الرسالة والأثر غير المعدود، وتكيّف مع شروط التمويل الخارجي لضمان الاستمرارية والأثر، وتعامل مع التغيير بمنطق التعاقد: نشاطات، تقارير، استبيانات، وورشات أنتجت خبراء فوق الناس، لا قادة من الناس.

مع ذلك، فإن اختزال هذه التجربة بسردية واحدة غير منطقي ومُجحف، لسببين.

الأوّل أنّها تختزل مئات الحالات المتنوّعة لمؤسسات المجتمع المدني في قالب واحد، وهذا خطير. صحيح أنّ بعض المؤسسات أساءت للعمل المدني، أو أنّ نواياها كانت صادقة لكنها لم تُترجم بطريقة فعّالة، إلاّ أنّ عددًا كبيرًا منها كان العمود الفقري لحماية الحقوق، وركيزة للتغيير الحقيقي، ومنبرًا للمقاضاة واسترداد الحقوق، وخط الدفاع الأوّل في مواجهة محاولات إغلاق الفضاء العام، وإبقاء حدّ أدنى من حرية التعبير مصانًا.

احتضنت هذه المؤسسات أجيالًا من الشباب، تحديدًا جيل الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي. شباب لم يرغبوا بالانتماء إلى أحزاب، ولا بالاكتفاء بورشات ودورات تنمية مهارات سوق العمل، فوجدوا في مساحات العمل المدني معنى للانتماء والفعل العام. ومن خلال هذه المساحات، لعبوا دورًا أساسيًا في مقاومة أشكال متعدّدة من التسلّط والاضطهاد في مجتمعاتهم.

لذلك، حين نركّز على تعميم فشل دور مؤسسات المجتمع المدني، أو لا ندافع عنها عند محاربتها وتحيّن فرص إغلاقها، فإننا نُسهم، حتى لو دون قصد، في موت المساحة التي تسند شكلًا من أشكال الفاعلية المجتمعية، وتحمي عضلة العمل العام من الضمور.

وبطبيعة الحال، لا يكفي ولا يرضينا، كشعوب حرّة تستحق العدالة والحرية، الدفاع عن مؤسسات المجتمع المدني من دون أن تتحدّى هي نفسها، وتطوّر أدواتها وآليات عملها لتكون أقرب إلى القواعد المجتمعية. وتبقى مساءلة غير المجدي من هذا العمل واجبًا علينا جميعًا.

والسبب الثاني أنّ المجتمع المدني لا يقتصر على «مؤسسات المجتمع المدني» والجمعيات، بل يشمل أيضًا الأحزاب، والنقابات، والعمل الطلابي، والأفراد المواطنين. وحين يُحمَّل هذا القطاع وحده مسؤولية ما آلت إليه ساحة العمل المدني، ويُفرَّغ من دوره، فإن ذلك يتجاهل، في الحقيقة، سياسة مُحكَمة هدفت إلى تجفيف كل مصادر التنظيم الشعبي، بحيث يتحوّل المواطن إلى فرد معزول، لا جزءًا من جماعة قادرة على الضغط والتأثير.

ومن غير المعقول وضع كلّ حالة الفراغ القيادي التغييري في ساحة العمل المدني على ظهر مؤسسات المجتمع المدني العربية، بالصالح منها والطالح. فساحة الناشطيّة والتنظيم لم تُفرَّغ صدفة، بل بقصد سياسي مدروس. الأحزاب السياسية التي كانت تقود العمل الجماعي تحوّلت إلى كيانات رمزية، والنقابات التي شكّلت تاريخيًا مصدر قوة للطبقات العاملة أُضعفت عمدًا، وأُسقط عنها دورها النضالي العمالي، فيما أصبحت الجامعات، التي شكّلت يومًا فضاءً للنقاش والتنظيم، مساحات مُراقَبة أكثر من كونها مولِّدة للوعي السياسي.

وفي النهاية، من دون الالتفات إلى هذه المسؤولية المشتركة للمجتمع المدني بكل مكوّناته في مواجهة سياسة التفريغ، لن تؤدي هذه السردية إلاّ إلى تعميق حالة العجز التي نعيشها كمواطنين.

لا يسعى هذا المقال إلى تلطيف النقد أو التخفيف من مسؤوليات مؤسسات العمل المدني؛ بل ينطلق من ضرورة رؤية الصورة الكاملة للمسؤولية الجماعية، من دون الوقوع في فخّ لومٍ شامل أو تبرئة مطلقة. فالسؤال الحقيقي ليس: على من يقع اللوم؟ بل: ما الذي نخسره، يومًا بعد يوم، حين تتآكل عضلة التنظيم التي نشأت فطريًا في مجتمعاتنا؟ وكيف يمكن استعادتها باعتبارها مسؤولية مشتركة بين جميع أركان المجتمع المدني؟

في هذا السياق، تصبح إعادة الاعتبار للقواعد الشعبية مدخلًا أساسيًا لأي نقاش جدّي. الناس الذين يُوصَفون غالبًا بـ«العاديين» ليسوا جمهورًا يُستهدف ولا فئة تنتظر من ينقذها أو يمثّلها، بل أصحاب قضية وحق، وقادرون على تنظيم أنفسهم واتخاذ القرار جماعيًا. أي خطاب يُعيد إنتاجهم كـ«مستفيدين» من برامج أو كُتيبات تدريبية، بدل الاعتراف بهم كأصحاب مشروع، هو خطاب يحتاج إلى مراجعة جذرية.

لكن السؤال عن دور المؤسسات تجاه القواعد الشعبية يظل ناقصًا إن لم يترافق مع سؤال موازٍ: ما هو دور القواعد الشعبية نفسها؟ فحصر النقاش في زاوية المؤسسات وحدها يعيد إنتاج نظرة فوقية توحي بأن التغيير يُصنع بخبرة «الخبراء» فقط. الواقع أنّ العلاقة المطلوبة هي علاقة تكامل وشراكة، تُبنى فيها القيادة جماعيًا، وتُتقاسم فيها المسؤولية، لا امتيازًا لطرف على آخر. وهذه مسؤولية تقع علينا كأفراد بقدر ما تقع على المؤسسات.

الإشكال الحقيقي ليس في ضعف الناس أو محدودية قدراتهم، بل في التقليل من جدارتهم. فالقواعد الشعبية قادرة على المبادرة والتنظيم والمطالبة بالقيادة، متى توفّرت لها مساحات حقيقية تحت مظلة مجتمع مدني أقوى وأكثر انفتاحًا.

ومن هنا يبرز سؤال لا يمكن تجاهله: ماذا يعني الاستمرار في إنتاج برامج تستهلك الوقت والجهد والمال من دون أن تبني قوة حقيقية على الأرض؟ الإشكال ليس في كثرة الأنشطة، بل في تحوّلها إلى غاية بحد ذاتها. فعندما لا تكون البرامج أداة لبناء التنظيم وتعزيز قدرة الناس على الفعل الجماعي، يصبح استمرارها جزءًا من المشكلة لا الحل. الموارد المحدودة لا تحتاج إلى مزيد من التشتيت، بل إلى تركيز واعٍ على ما يراكم أثرًا قادرًا على حماية نفسه بنفسه.

ويبقى سؤال الموارد حاضرًا بوصفه سؤال قرار وسيادة، لا مجرّد تفصيل إداري. فالارتهان الطويل لشروط التمويل ينعكس مباشرة على من يملك القرار، ومن يحدّد الأولويات، ومن تُصاغ من أجله البرامج. من دون أفق جدّي لبناء موارد محلية شفافة وخاضعة للمساءلة المجتمعية، تبقى القدرة على اتخاذ القرار معلّقة بإرادة خارجية، مهما حسنت النوايا.

أخيرًا، ما يجب أن نخافه حقًا ليس فقط الضغوط السياسية أو المالية، بل أن نضيّع فرصة بناء قوة جماعية لا تُعيد إنتاج التبعية، بل تستعيد قدرتنا، كمجتمعات، على الفعل المشترك. الضعف الحقيقي ليس في تشتّت الأفراد، بل في عجزهم عن إيجاد بعضهم البعض. والنجاح لا يُقاس بتكاثر المبادرات، بل بقدرتنا على تحويل المجتمع المدني نفسه إلى شبكة حيّة تغذّي بعضها بعضًا، وتُغني قواعده الشعبية بدل أن تعمل كل جهة في جزيرتها الخاصة.

نشر هذا المقال في صحيفة العربي الجديد في كانون الأول / ديسمبر ٢٠٢٥

على مسار بناء قوّة الناس

تأمّل شخصي من داخل الفريق الممتد في أهل.

سوسن أحمد

ناشطة مجتمعية نسوية و مدربة تنظيم مجتمعي و مديرة برنامج القيادة و التنظيم و النسوية | أهل

بدأ لقائي بمؤسسة أهل خلال عملي في الحراك الحقوقي، بعد فترة قصيرة من إنهائي مساق القيادة والتنظيم والعمل في كلية كينيدي بجامعة هارفارد عام 2019. ثم تعمّقت هذه العلاقة حين انضممت إلى شبكة أثر للتنظيم عام 2020، إلى جانب منظّمين ومنظّمات عرب وناطقين بالعربية، في محاولة لتعزيز عملي التنظيمي حول قضايا العدالة العرقية. قدّمت لي أثر أكثر من استمرارية مهنية؛ إذ وفّرت مساحة يستطيع فيها المنظّمون والمنظّمات البقاء على اتصال عبر الحدود، وتبادل اللغة والسياق والتجربة، وبناء التضامن، ومواصلة تطوير ممارسات تنظيمية متجذّرة في واقعنا. كانت مساحة نادرة تأخذ التنظيم على محمل الجد، من دون أن تفقد بعدها الإنساني وارتباطها بالناس.

تعمّقت علاقتي بأهل لاحقًا عندما انضممت إلى فريقها، إلى جانب خمس نساء أخريات، جمعنا إيمان مشترك بقوّة الناس وبأهمية الحضور السياسي للنساء داخل الفضاء المدني في الأردن. انتقلت رحلتي مع أهل من دوري كمرافقة تعليمية في برنامج القيادة والتنظيم والنسوية، إلى قيادة البرنامج نفسه. هذا المسار أتاح لي أن أختبر عن قرب معنى النمو داخل مساحة سياسية وتعلّمية، ليس فقط من حيث المهارات أو المسؤوليات، بل من حيث الوضوح السياسي وبناء الثقة والمساءلة الجماعية، وكأي تجربة جماعية طويلة، لم تكن علاقتي بأهل خطًا مستقيمًا، بل مسارًا فيه لحظات تقاطع ولحظات تباعد، أعادت في كل مرة تعريف ما يعنيه الالتزام والعمل المشترك.

لم يقتصر انخراطي في أهل على برنامج واحد. على امتداد السنوات، شاركت في مساحات متعدّدة، من ورشات السردية العامة، إلى ورشات «فرصة» للتعريف بالتنظيم المجتمعي، وصولًا إلى مختبر القيادة الشبابية. في كل مساحة، وجدت نفسي أرتدي قبعة مختلفة: ميسّرة، مديرة، متعلّمة، وشريكة. ومع ذلك، ظلّ السؤال نفسه حاضرًا: كيف يستعيد الناس قوّتهم بشكل جماعي؟ وكيف يمكن للمنظّمين والمنظّمات أن يرافقوا هذا المسار بنزاهة؟

العمل عبر هذه البرامج المختلفة جعل التجربة أقل تجزئة وأكثر معنى. لم أكن أقدّم محتوى أو أدير عمليات فحسب، بل كنت على تماس مباشر مع قواعد اجتماعية حقيقية وقضايا ملموسة، أراقب الناس وهم يطوّرون ثقة بأنفسهم، ولغة مشتركة، وعلاقات تقرّبهم من المطالبة بحقوقهم. هذا القرب من التجربة المعاشة، ومن العمل التنظيمي البطيء وغير الخطي، أعاد باستمرار ترسيخ فهمي للعدالة بوصفها ممارسة يومية، لا مفهومًا مجرّدًا.

في عالم يتّسم بتزايد الغموض والظلام السياسي، لا يبدو عملي مع أهل «وظيفة أخرى». إنّه عمل يساعدني على البقاء متماسكة وأقل يأسًا. الانخراط في جهود قائمة على القيم والعلاقات والالتزام طويل الأمد بقوّة الناس يوفّر توازنًا ضروريًا في مواجهة الإحباط. وفي هذا المسار، تعلّمت أن قوّة الناس ليست دائمًا سهلة أو مضمونة النتائج، وأن الإيمان بها لا يلغي صعوبتها، بل يضعنا أمام مسؤولية الصبر حين تتباطأ، والوضوح حين تختبرنا. ومشاهدة ما يمكن للناس المنظّمين أن يحققوه، حتى في فضاءات مدنية مقيّدة، تعزّز شعوري بالانتماء إلى هذا المسار، وإلى أهل بوصفها بيتًا سياسيًا.

يرتبط هذا الشعور بالانتماء أيضًا بعملي مع النساء في مختلف مناطق الأردن، لا سيّما من خلال برنامج القيادة والتنظيم والنسوية. الانخراط مع نساء من خارج عمّان كان أساسيًا في تحدّي السرديات السائدة حول القيادة والنسوية والمشاركة السياسية. هؤلاء النساء لا يوسّعن فقط الامتداد الجغرافي للحركة النسوية، بل يُعدن تشكيل أولوياتها وخيالها السياسي. إعادة تعريف قضايا النساء انطلاقًا من الواقع المعاش، لا من تجريدات نخبوية، هي أحد الأسباب التي تدفعني للاستمرار في الاستثمار في هذا العمل.

ورغم أنني لست موظفة بدوام كامل، فإن موقعي ضمن ما نسمّيه في أهل الفريق الممتد أتاح لي البقاء منخرطة بعمق في العمل، كجزء من مجتمع ممكنات ومدرّبات يرافقن المسارات التنظيمية ويتعلّمن منها في الوقت نفسه. في كل دورة من برنامج القيادة والتنظيم والنسوية، تتجدّد مساحة التجريب والتأمّل وإعادة التصميم، بالاستناد إلى النجاحات السابقة والدروس المستفادة، وبالاستفادة أيضًا من خبرات برامج أهل الأخرى. ما يثير اهتمامي باستمرار هو ثقافة تبادل المعرفة بين الفرق، والانفتاح الذي تنتقل به التجارب والأدوات والأسئلة السياسية بين الفرق الأساسية والممتدة، بما يخلق منظومة تعلّم حيّة لا مشاريع معزولة.

تستند علاقتي بأهل إلى القيم المشتركة، والإيمان بقوّة الناس، والالتزام بالنمو الجماعي، لا إلى الدوام أو الألقاب. وهذا، أكثر من أي شيء آخر، هو ما يجعلني أعود إلى هذا العمل عامًا بعد عام.

من هم ناسي؟

تأمّل في تصميم تجارب تعلّم التنظيم والقيادة، وما يتشكّل عنها

تمارة خلف

مديرة التعلم و التعليم | أهل

«من هم ناسي؟»

 هذا سؤالٌ تأمّلتُ فيه كثيرًا. بدأ تأملي بوصفه أوّل سؤال يطرحه المنظِّم حين يبدأ التفكير بالفعل الجماعي، وهو سؤال يرافق عملي مع منظِّمين ومنظّمات يتعلّمون التنظيم المجتمعي ويشتغلون عليه في سياقاتهم المختلفة.

لكن مع الوقت، حمل هذا السؤال معنى آخر بالنسبة لي؛ صار يحكم تفكيري حين أصمّم برامج التعلّم ورحلاته.

 لا أتناوله هنا كإجابة جاهزة، ولا كطريقةٍ يُفترض أن يعمل بها المنظّمون، بل كتأمّل شخصي من موقع تصميم التعلّم، مستلهم من التنظيم المجتمعي ومن منطقه. ما يشغلني في هذا التأمّل هو ماذا نحصد عندما حين نسمح لهذا السؤال أن يقود قرارات التصميم، وكيف يفتح ذلك أثرًا ومساحات تتجاوز ما نخطّط له مسبقًا.

حين أطرح السؤال بهذه الصيغة، لا أبحث عن تعريفٍ للناس، بل عن موقعي منهم. من هم الذين نجتمع حولهم؟ وعلى أي أرضية نبني مساحة التعلّم؟ وهل ننطلق من واقعهم كما هو، أم من افتراضاتنا عمّا يحتاجونه؟ هذه الأسئلة ليست تفصيلًا تربويًا، بل موقفًا من القوّة، ومن العلاقة بين من يصمّم ومن يعيش الواقع.

لأن تجاهل هذا السؤال لا ينتج برامج أضعف فقط، بل يعيد إنتاج علاقة مختلّة بالقوّة؛ نبدو فيها قريبين من الناس من دون أن نكون معهم. وفي زمن يُعاد فيه تفريغ الناس من السياسة، يعود هذا السؤال ليذكّرني بأن التعلّم نفسه يمكن أن يكون فعل مقاومة، حين ينحاز إلى الناس بوصفهم أصحاب قضية، لا متلقّي معرفة.

حين يتحوّل السؤال إلى قرار تصميم

غالبًا ما نصمّم البرامج ورحلات التعلّم ونحن نحمل النهاية في بالنا. نفكّر بما نريده أن يتغيّر أوّلًا، ثم نعود خطوة خطوة إلى الوراء لنرسم تجربة تعلّم واضحة ومقصودة. هذا ليس إجراءً تعليميًا محايدًا، بل خيارًا تربويًا وتنظيميًا يربط التعلّم بما نريده أن يتشكّل فعليًا في حياة الناس، لا بما ننجزه نحن كمؤسّسات أو مدرّسين.

حين يكون سؤال «من هم ناسي؟» حاضرًا، لا يعود الأثر مجرّد نتيجة نعلّقها في نهاية البرنامج، بل بوصلة تُرشد قرارات التصميم منذ البداية: ماذا نفتح؟ ماذا نؤجّل؟ وماذا نترك للناس ليصوغوه بأنفسهم؟ وبعد التنفيذ، أعود لأسأل وأتعلّم؛ أسمع من ناسنا، وأراقب أين وصل ما خطّطنا له وأين تعثّر، وما الذي يحتاجه ليكتمل.

لكن ما يرافقني في كل سنة هو شيء إضافي: ما يحدث بين الناس، لا فقط ما صُمّم من أجلهم. ذلك الأثر الذي يتشكّل خارج المخطّط، والذي لا يمكن توقّعه بالكامل مهما بدا التصميم محكمًا.

حين يبدأ العمل من الناس

أحد الأمثلة التي توضّح هذا المعنى بجلاء هو ما حدث في قضاء الأزرق. لا أستعيده هنا بوصفه قصة نجاح منفردة، بل مثالًا على كيف يمكن لما نتعلّمه أن يتحوّل إلى ممارسة منظَّمة حين يبدأ من الناس.

في الأزرق، تحوّلت معاناة النساء مع الوصول إلى خدمات الولادة إلى عمل قادته مجموعة نسوية محلية. لسنوات، كانت النساء يقطعن مسافات طويلة عبر طرق صحراوية للوصول إلى أقرب مستشفى يضمّ قسم ولادة، بما يحمله ذلك من خوف ومخاطر حقيقية. لم يبدأ هذا العمل بقرار رسمي، بل بالانطلاق من شهادات النساء وتوثيقها، ثم تحويلها إلى قصص شخصية قوية قيلت بصوتٍ عالٍ بعد صمت طويل، وربط هذه القصص بالمعطيات، وصياغة مطالب واضحة، وتوزيع أدوار داخل حملة ضغط مجتمعي مع الجهات الصحية المعنية.

في تشرين الأول/أكتوبر 2025، تُوّج هذا التراكم بقرارٍ رسمي من رئيس الوزراء بتوجيه إنشاء قسم للولادة والنسائية في مركز طبي الأزرق، في خطوة فتحت الطريق نحو تحسين الوصول إلى الرعاية الصحية وبناء ثقة أكبر بالخدمات الصحية المحلية. كانت «أهل» محطة واحدة في مسار حملة «إيد بإيد نحمي الأم والوليد»، لكن ما تعلّمته المجموعة حول تحويل الشهادات إلى قصص شخصية قوية، ثم تنظيمها وربطها بالمعطيات، وقراءة التوقيت السياسي، كان جزءًا أساسيًا من هذا التحوّل.

تروي إحدى النساء أنّه في صباح يوم بارد من شتاء الأزرق، كانت أمّ شام تسابق الزمن. بدأت آلام الولادة تشتد، وأقرب مستشفى يضمّ قسم ولادة يبعد أكثر من ثمانين كيلومترًا. الطريق صحراوي طويل، والوقت يمرّ أسرع من السيارة. لم تكن هذه حادثة واحدة، بل قصة مئات النساء؛ بعضهن فقدن أطفالهن، وبعضهن تعرّضن لمضاعفات بسبب التأخّر في الوصول إلى الخدمة. واليوم، وبعد سنوات من التنظيم، أصبح هناك فريق نسوي محلي يضمّ نحو خمسين سيدة، قادرات على إيصال أصواتهن، ومعرفة طرق التغيير، والضغط على أرض الواقع. اجتمع المجتمع المحلي، النساء والقيادات والجمعيات، وتحدّثوا بصوت واحد: نحتاج قسم ولادة. نحتاج الأمان.

أستعيد هذه القصة هنا لا لوصف المعاناة بحدّ ذاتها، بل لأتأمّل فيما يحدث حين تتحوّل التجربة الشخصية إلى قصّة تُقال، وحين تُنظَّم هذه القصص وتُحمَل جماعيًا، فيصبح للألم صوت، وللصوت أثر.

ما يتشكّل خارج ما خطّطنا له

وأحيانًا، لا يكون الأثر بهذا الوضوح. أحيانًا يكون شيئًا يمكن سماعه فقط؛ كصوت اللهجات حين تلتقي في مكان واحد، وتبدأ لغة مشتركة بالتكوّن ببطء، كما لو أنّ التنظيم يُسمَع قبل أن يُرى. كلهجات المغرب الكبير وهي تتحاور حول التنظيم المجتمعي لأول مرة في تدريب «فرصة»، الذي صُمّم انطلاقًا من سياقهم الخاص، وبطلبٍ منهم، واختلاف شروط التنظيم والعمل لديهم عن سياقات المشرق. لم يكن ما حدث هنا قرارًا أو بنية جديدة، بل مساحة أتاحت للتجربة أن تُصغي لنفسها، وأن تختبر إمكاناتها من الداخل.

وفي اتجاهٍ آخر، يظهر هذا المعنى حين تجتمع قيادات من مختلف أنحاء المنطقة العربية في مساق التنظيم وقيادة العمل الجماعي، بتجارب ولهجات ومسارات نضالية متباينة. لا ليذوب هذا التنوّع، بل ليصير هو نفسه جزءًا من الأثر، وعنصرًا حيًا في ما يتشكّل داخل الغرفة.

وأحيانًا أخرى، أعلّق الأمل على كلمات أقرأها في تأمّلات قياديين وقياديات خاضوا المساق؛ كلمات تعبّر عن تحوّل داخلي عميق، مثل:  «أدهشتني فكرة أن التنظيم لا يبدأ من الخارج بل من الداخل…»  أو: «التغيير لا يتحقق فقط برفع الشعارات الكبرى، بل من خلال إعادة صياغة وعينا الجماعي وصوتنا كسكّان هذه الأرض».

هذه التحوّلات لا تُقاس بسهولة، لكنها تترك أثرها، وتبقى.

المساحة التي يخلقها الناس لأنفسهم

في هذا الواقع الصعب الذي يتجدّد فيه القهر والخوف، أعود إلى هذه اللحظات الصغيرة؛ إلى ما لم يُختزل في مخرجات أو مؤشّرات، بل تشكّل عبر رحلة فهم قوّة الناس ووكالتهم. ما أراه اليوم هو أن المرور بهذه التجارب لا ينتج نتائج فقط، بل يفتح مساحة يخلقها الناس لأنفسهم: مساحة للكلام، وللتفكير، ولرؤية أنفسهم كقادرين على الفعل الجماعي.

وحين أعود إلى السؤال الأوّل: من هم ناسي؟ أراه اليوم سؤال التزام قبل أن يكون سؤال تصميم؛ سؤالًا يذكّرني بأن دورنا ليس أن نملأ هذه المساحة عن الناس، ولا أن نغلقها باسم التخطيط أو الأثر، بل أن نوسّعها ونحميها، وأن نبقى مع الناس فيها، لا فوقهم.

حين تتشكّل القوّة حول البيئة

تأمل عن إعادة القوة للناس وبناء كتلة منظمة وازنة كسبيل لاستعادة الحقوق وحمايتها

علي عباس لفتة، العراق

قيادي خريج مساق التنظيم و قيادة العمل الجماعي للتغيير مع أهل٢٠٢٥

أعمل منذ شهور على حملة بعنوان “تفعيل قانون الشرطة البيئية رقم 27 لسنة 2009″، وهي حملة تهدف إلى أن يكون للبيئة صوتٌ محميّ بقانون فعّال، وللمواطنين حقّ بالتبليغ الآمن والسرّي عن أي ضرر بيئي. ومن خلال هذه الحملة، واجهتني معضلة حقيقية: الناس فقدت الثقة بالقانون والدولة، وبدت كأنها “متقبّلة” لما يحدث، أو بالأحرى، فقدت أملها بالتغيير. هذا الأمر جعلني في البداية أبحث عن حلول فنية، إدارية، أو قانونية، معتقدًا أن مجرد “عرض المشكلة” على المسؤولين سيكفي.

لكن مع كل وحدة من وحدات مساق القيادة والتنظيم لعام ٢٠٢٥، بدأت الصورة تتضح أكثر: المشكلة الأساسية لم تكن في القانون وحده، بل في غياب تنظيم الناس حوله. فحتى لو عدّلنا النصوص القانونية، من سيضغط لتنفيذها؟ من سيحمي المشتكي؟ ومن سيحافظ على الحملة من أن تتحول إلى مجرد مبادرة مؤقتة؟ الجواب كان واضحًا: الناس أنفسهم، أهل القضية.

هنا بدأ تحوّل حقيقي في موقعي داخل الحملة. بدل أن أبحث عن حلول نيابة عن الناس، بدأت أتحرك من منطلق أن إعادة القوة لهم تعني منحهم المساحة والثقة ليقودوا نضالهم بأنفسهم. وبدل أن أبقى “المتحدث باسمهم”، ركّزت على بناء فرق محلية من الشباب في كل محافظة نعمل فيها. بدأنا بثلاثة أشخاص فقط، واليوم صار لدينا أكثر من أحد عشر شخصًا يقودون الفرق، ويشاركون في تصميم التكتيكات، والتواصل مع الجهات الرسمية، بل ويقترحون أحيانًا خطوات أفضل مما كنت أتخيل.

هذه التجربة فتحت عينيّ على معنى الكتلة المنظمة. التغيير لا يحدث بفعل نشاط عابر أو صوت واحد، مهما كان قويًا، بل حين تتجمّع الناس حول هدف مشترك، وتنظّم جهودها، وتوزّع أدوارها، وتتحرّك بوعي واستمرارية. هذا بالضبط ما بدأنا نبنيه: كتلة شبابية واعية، متأثرة فعلًا، لكنها قررت ألّا تبقى في موقع الضحية، بل أن تتحول إلى قوة فاعلة.

لا أنسى جلسة نظمناها في بغداد، حين جلست شابة من المثنّى تحكي عن تضرّر منطقتها من حرق النفايات، وكيف كان أخوها يخاف من التبليغ خوفًا من العشيرة أو الجهات النافذة. بعد مشاركتها في الحملة، صارت هي نفسها تنظم جلسات في منطقتها، وتتحدث عن الحقوق البيئية للناس. تلك اللحظة كانت بالنسبة لي دليلًا حيًا على أن القوة لا تُنقل، بل تُستعاد حين يُفتح المجال للناس ليقودوا بأنفسهم.

المساق جعلني أقتنع أن التنظيم ليس عملًا تقنيًا، بل فعلًا تحرريًا. حين تبدأ الناس ببناء وعي جماعي، وتدرك أن حتى الموارد البسيطة التي تملكها يمكن أن تتحول إلى قوة، يبدأ التغيير بالامتداد خارج حدود الحملة ليطال المحيط الأوسع.

أدركت أيضًا أن هذا النوع من التغيير يحتاج وقتًا وصبرًا، لكن أثره أعمق وأكثر استدامة. اليوم لم يعد هدفي محصورًا بتحقيق مطلب قانوني، بل ببناء حركة طويلة الأمد، تكون البيئة فيها قضية عامة، ويكون لكل فرد فيها دور حقيقي في حمايتها.

حين نعيد تعريف القوّة

تأمّل في إعادة القوة للناس وبناء كتلة منظمة وازنة كسبيل لاستعادة الحقوق وحمايتها

ماجد نومي – تونس

قيادي خريج مساق التنظيم و قيادة العمل الجماعي للتغيير مع أهل٢٠٢٥

عندما قرأت عبارة “إعادة القوة للناس وبناء كتلة منظمة وازنة كسبيل لاستعادة الحقوق وحمايتها”، شعرت أولًا بالثقل الكامن في كلمة “إعادة”. هذه الكلمة تفترض أن القوة كانت بيد الناس في لحظةٍ ما، ثم سُلبت أو تآكلت، أو ربما تخلّوا عنها دون وعي. هذا وحده كان كافيًا ليستفزّ التفكير: هل فقدان القوة أمر حتمي حين تتكاثر أشكال الظلم؟ أم أننا نساهم بصمتنا وعجزنا في إهدارها؟ والأهم من ذلك: هل يمكن حقًا استعادتها؟

من هنا بدأت علاقتي الشخصية مع هذا المفهوم تتشكّل، لا كمفهوم نظري، بل كسؤال موجّه إليّ أنا أولًا. أنظر حولي وأتساءل: كيف يمكن أن نُعيد لهذه الفئات شعورها بالقدرة؟ أي قوة هذه التي نتحدث عنها؟ وهل يكفي الوعي وحده؟ أم نحتاج ما هو أبعد من ذلك؟

ربما لا يُولد الإنسان ضعيفًا، بل يُربّى على الخضوع. تنشأ مجتمعات كاملة على إيقاع الطاعة، حتى تغدو هشاشة الصوت أمرًا عاديًا. يُقاس الإنسان بما لا يُزعج، بما لا يُهدّد، بما لا يجرؤ. وأنا أحد أبناء هذه المجتمعات. أعرف طعم الصمت، وأعرف ملوحة الخوف، وأعرف كيف يمكن للقهر أن يرتدي ثوب الاعتياد.

ومن هنا بدأت أرى نفسي وسط هذه الأسئلة: من أنا في هذه المنظومة؟ ومن نكون نحن إن قررنا أن نتحرّك؟ ومن نكون حقًا حين نقول “نحن”؟ هل نحن المتشابهون؟ أم المختلفون الذين قرروا أن يتشاركوا الحلم؟

أدهشتني فكرة أن التنظيم لا يبدأ من الخارج بل من الداخل. من لحظة مواجهة الذات، ومن إعادة تعريف علاقتنا بالآخرين، ومن الاعتراف بما نخافه وما نريده. هنا لم يعد التنظيم بالنسبة لي مجرد أداة ضغط، بل صار حوارًا وجوديًا بين من نكون ومن نستطيع أن نكون.

وفي قلب هذا الفهم، جاءت القصة العامة. لم أكن أدرك كم نحن بحاجة إلى السرد، لا كفن، بل كأداة مقاومة. حين تُحكى قصتنا نكسر الصمت، وحين نحكيها نحن نكسر الاستلاب. أن أبدأ من سؤال “لماذا أنا هنا؟”، ثم أفتح دائرتي إلى “لماذا نحن هنا؟”، وأربط ذلك بلحظة الآن، لم يكن مجرد تمرين أكاديمي، بل غوصًا في ذاتي وجذوري، وفي لحظة بعينها جعلتني أقول: “يكفي من الصمت”.

ومع ذلك، بقي سؤال يقلقني: هل يمكن لكل الناس أن يخوضوا هذا المسار؟ ماذا عن الذين هم في أقصى الهامش، أولئك الذين لا يملكون لغةً، ولا وقتًا، ولا قدرةً على التنظيم؟ هل نستطيع فعلًا أن نبني كيانًا لا يستثني، ولا يُعيد إنتاج التراتبية باسم النضال؟

هذا السؤال لم أجد له إجابة جاهزة، ولم أسعَ إلى إغلاقه، لكنه جعلني أكثر وعيًا بضرورة التواضع في الطرح، والرحمة في التنظيم. لأن التنظيم، كما بدأت أفهمه لاحقًا، ليس فرضًا بل دعوة. ليس ضمًّا بالقوة، بل احتضانًا بالمعنى.

الكتلة الوازنة لا تُقاس فقط بالعدد، بل بالتماسك، وبالثقة، وبالقدرة على البقاء رغم الفروقات، وعلى الحلم رغم الضغوط. وربما في هذا تحديدًا تكمن استعادة القوة: أن يُعاد للناس إحساسهم بأن وجودهم له وزن، وأن قرارهم لا يُؤخذ بالنيابة عنهم، وأن ألمهم ليس مجرد حالة إنسانية، بل مادة تغيير.

أن التنظيم الجيد لا يقود الناس، بل يجعلهم يدركون أنهم كانوا قادة طوال الوقت، لكنهم فقط نسوا الطريق.

حين تصبح قصّتنا فعلًا

تأمل عن القيادة الشخصية والتغيير الذي حصل خلال المساق

سلمان الدبيسي، لبنان

قيادي خريج مساق التنظيم و قيادة العمل الجماعي للتغيير مع أهل٢٠٢٥

أنا منخرط منذ سنوات طويلة في العمل الاجتماعي والتغيير المجتمعي، من بينها تجربة «النقابة تنتفض»، ومع آخرين معارك نقابية وثقافية، ومنها حملة حماية مبنى الإهراءات بعد تفجير مرفأ بيروت. رأيت في هذا الصرح شاهدًا حيًّا على الألم والصمود، وأن الحفاظ عليه جزء من حماية ذاكرتنا الجماعية حتى تتجلّى العدالة. هذه الخبرات رسّخت لدي قناعة بأن المعركة الأعمق ليست فقط في استعادة مبانٍ أو نقابات أو فضاءات عامة، بل في استعادة قصتنا نفسها: كيف نقرأ تاريخنا ونرويه لأنفسنا ولأبنائنا.

من هنا جاءت فكرة مشروع «إعادة تحقيب التاريخ»، كامتداد طبيعي لمسيرتي، لإعادة قراءة سردياتنا خارج عدسة الاستعمار والمركزية الأوروبية، وخارج سردية الحداثة بمفهومها النيوليبرالي الراهن، التي لا ترى الناس إلا كمستهلكين أو أرقام، وتطمس تجاربهم الجماعية لصالح نماذج غربية جاهزة. دفعني إلى ذلك إحساس عميق بالظلم الذي يطال تاريخ منطقتنا، وكيف ساهمت المناهج والتواريخ المعلّبة المستوردة في تغييب قصص الناس، وإبراز قصص السلاطين والملوك والغزاة فقط. شعرت أن تغييب الذاكرة الشعبية يساهم في تكرار الظلم وإعادة إنتاج الخضوع، وأننا لا نملك المستقبل إن لم نملك حق رواية الماضي.

حين تقدّمت للمساق هذا العام، كنت أبحث عن إطار يوجّه هذه الفكرة وينقلها من كونها مشروعًا بحثيًا أو أكاديميًا بحتًا، إلى كونها حملة تغيير مجتمعي حقيقية يشارك فيها الناس، ويُصاغ من خلالها مسار جماعي للتأثير.

مع انطلاقة المحاضرات الأولى، وغوصي أكثر في مفاهيم التنظيم المجتمعي، بدأت أشعر بالتردّد. كنت قد صمّمت مشروعي في ذهني كمشروع بحثي أكاديمي، يقوده باحثون وينتجون في نهايته توصيات أو منهجًا دراسيًا مختلفًا عن المناهج التقليدية. ووجدت نفسي أطرح سؤالًا أساسيًا: كيف يمكن لهذا المشروع الأكاديمي أن يتحوّل إلى حملة تغيير مجتمعي كما يتطلّبه المساق؟ بدت الفجوة كبيرة بين ما أريده وما يمكن تطبيقه ضمن هذا الإطار.

تردّدت، وفكّرت حتى في التراجع عن الموضوع، وراودني الشك بجدوى فكرة التحقيب أصلًا، وبقدرتها على إيجاد صدى عند الناس. كانت هذه لحظة شك حقيقية في دوري، لا في الفكرة فقط. غير أن نقطة التحوّل المفصلية جاءت خلال أول ساعة مكتبية حضرتها مع نسرين الحاج أحمد، حين أعادت توجيه أسئلتي، وسألتني كيف يمكنني إعادة تخيّل المشروع لا باعتباره عملًا نخبويًا، بل تنظيمًا حيًّا ينطلق من الناس ويعود إليهم. هناك بدأت أرى أن التاريخ لا يمكن تحريره من الأعلى، بل عبر الناس أنفسهم.

من تلك اللحظة، بدأت تتغيّر رؤيتي لدوري كقائد. كنت أظن أن القائد هو من يمتلك الحلول الجاهزة، والخطط الدقيقة، والرؤية الواضحة التي يوجّه الآخرين إليها. اليوم بتّ أؤمن أن القائد هو من يملك القدرة على طرح الأسئلة الصحيحة، وخلق مساحة آمنة ليجيب الناس عنها بأنفسهم، ويبنون الحلول جماعيًا. القائد هو من ينظّم وييسّر، لا من يفرض رؤيته الجاهزة.

هذا التحوّل لم يغيّر نظرتي إلى ذاتي فقط، بل غيّر نظرتي إلى المشروع كليًا. أصبح مساحة يلتقي فيها الناس ليعيدوا كتابة تاريخهم بأنفسهم، ويستعيدوا ذاكرتهم، ويعيدوا الاعتبار إلى قصصهم وتجاربهم. تحوّل من مشروع معرفة إلى ممارسة تحرّرية: من سردية ترى المعرفة سلعة، إلى سردية تعترف بها كحق جماعي وتجربة عابرة للأجيال.

أدركت أن التغيير الحقيقي لن يحدث ببحث أكاديمي ينتهي على رفّ مكتبة، بل حين يشعر الناس أنهم شركاء في إنتاج المعرفة، وصنّاع حقيقيون لروايتهم. حينها لا يعودون موضوعًا للبحث، بل جزءًا من كتابته وصوته. صار التحقيب التاريخي بالنسبة لي أداة تحرّرية، لا مجرد أداة معرفية؛ أداة تساهم في رفع كرامة الناس، وتمكينهم من استعادة سردياتهم، ومقاومة هيمنة نماذج تقيس النجاح بالأرقام والإنجازات السريعة، وتُهمل صمود الناس وحكاياتهم العميقة.

ومن هنا أقول بثقة: إن المساق لم يغيّر فقط معرفتي بأساليب التنظيم المجتمعي، بل غيّر نظرتي للقيادة نفسها. وجعلني أؤمن أن بناء الأمل بين الناس يبدأ بسؤال صادق، وبأذن منصتة، وبالقدرة على مشاركة الناس بناء قصتهم. وهذه، بالنسبة لي، هي البداية الحقيقية لأي مسار تحرّر.

نحن

ريم منّاع

المديرة التنفيذية | أهل

نحنُ معاً … نتعلّم فنتحرّك… نُحبَط فيقوينا التشبيك ويغنينا التبادل… نتضامن فننجح. ونسرد كلّ هذا.

عام ٢٠٢٥، بطريقته القاسية أحياناً، أكّد لنا أن التغيير ليس حدثاً، ولا إنجازاً، ولا لحظة مكتملة نقف عندها لنعلن اكتمال الطريق.

التغيير صيرورة. حركة حيّة تحتاج إلى وعي دائم كي لا نتجمّد عند محطة من محطّاتها.

بل نرى الحلقة كاملة: تعلّم يقود إلى فعل، وفعل يختبره الإحباط، وتشبيك وتبادل يعيدان المعنى، فتتجسّد القوّة في التضامن والنجاح. ونسرد كلّ هذا.

قبل أن تبحروا في قراءة هذا التقرير، اخترت هذه المرّة أن أبدأ من مكان مختلف.

أن أخصّ المقدّمة بالاحتفال بـ “النحنُ” التي شكّلت مشوار أهل في ٢٠٢٥.

اخترتُ أن أحتفل بكم وبكنّ بدلاً من تلخيص السياق السياسي والمدني لهذا العام وأهم إنجازاته؛ أولاً كي تقرأوا التفاصيل وتستكشفوا الأثر والنجاح داخل التقرير بحماس، وثانياً لأنني ممتنّة للعدد الهائل من الأفراد والمجموعات والمؤسسات من المغرب وتونس ولبنان وسوريا وفلسطين والأردن ومصر، الذين أبقوا عمل أهل حيّاً ومتحرّكاً، في وقتٍ نعرف جميعاً أنه لم يكن سهلاً، وأن المساحات تضيق يوماً بعد يوم.

إلى مديرات الأقسام والبرامج في أهل، اللواتي التقين منذ بداية العام لحوار عميق حول استراتيجيات البرامج، وصغن معاً سؤال البوصلة الذي رافق كل تصميم: إلى أين تذهب أهل؟ وما الذي نريده فعلاً من هذا العمل؟ وكانت الإجابة واضحة: تفعيل القوّة التشاركية للناس.

وإلى القياديين والقياديات في المساق، الذين جاؤوا من سياقات مختلفة، وجمعهم الإلحاح نفسه على إحداث تغيير ملموس. في هذا المسار، تحوّلت القناعات إلى أدوات، والأسئلة إلى خطط، والتعلّم إلى ممارسة أثمرت في أماكن متعدّدة، بدعم فريق التعلّم والتعليم، وبالتكامل مع المرافقة والتمكين. مسار أكّد أن التنظيم، حين يُبنى على التعلّم الجماعي، يصبح قوّة فعل حقيقية.

وإلى مؤسسات المجتمع المدني التي كانت معنا في محطات مختلفة وبطرق متنوّعة، وأضافت إلى المسار بقدر ما شاركت في بنائه. ثماني مؤسسات منها بدأنا العام معها في خلوة تبادلية في قلب عمّان، ثم واصلنا خلال العام مرافقة مؤسسات منكم، وهي تختبر ما تعلّمته مع فرقها ومع مجتمعاتها.

وإلى شبكة أثر التي واصلت هذا العام أن تكون المساحة التي نرجع إليها عندما يشتدّ الطريق. مساحة كسرت الصورة النمطية عن مفهوم التطوّع المدفوع، وأثبتت أن التشبيك والتبادل هما عماد الصمود. على امتداد تونس والمغرب ولبنان وسوريا والأردن ومصر، التقى الأعضاء في خلوات وطنية، وجلسات تعلّم، واجتماعات قيادة، وبنوا خططهم الوطنية بما يحاكي سياقاتهم الحيّة. تبادلت الفرق الخبرات، وانتقلت القيادة بسلاسة، وتعزّز الانتماء في اللقاءات الوطنية والإقليمية. لم تكن أثر شبكة بالاسم، بل ممارسة حيّة يبنيها الناس معاً ويقوّي بعضهم بعضاً.

وإلى عاملات الزراعة اللواتي ينبتن قيادة كلما التقينا. في كل مرة نحاول مواكبتهن، يسبقننا بخطوة. نلتقي ست قياديات، فيعدن بعدها بعشرين، يسألن: أنجزنا وضاعفنا الأثر… ماذا الآن؟ ومعهن فهمنا أن دورنا لا يقتصر على المرافقة، بل في فتح مساحة تجمعهن مع عاملات من مختلف مناطق المملكة. مساحة تبادلْن فيها خبرات التفاوض ونجحن. تضاعف الأثر، وتعمّق، وصار أكبر منّا… وما يزال أقل من حقّهن.

وإلى طلاب الجامعات الذين اختبروا التنظيم كمسار، لا كنشاط عابر، وتعلّموا كيف تتحوّل القضايا إلى فرق، وكيف تُبنى العلاقات، وكيف تُصاغ الأسئلة التي تقود إلى فعل جماعي مستدام.

وإلى أصدقاء أهل ومجلسها الاستشاري الذين كانوا مرجعاً في لحظات التحدي، وفي النقاشات الاستراتيجية، وفي المساحات التي سمحت لنا أن نفكّر بصوت عالٍ ونجرّب أفكاراً جديدة.

وإلى فريق أهل الممتد من المدرّبين والميسّرين والممكّنين. لولا يقيننا المشترك بأن التنظيم ليس خدمة نقدّمها، بل مسؤولية سياسية نتحمّلها مع من يعملون من أجل التغيير، لما كان لهذا العام أثره. حضوركم في الورش، والحملات، والمساحات العابرة للبلدان، وفي بناء المعرفة وتطوير الأدوات، هو ما أبقى الباب مفتوحاً لخطوات أكبر في الأعوام القادمة.

وإلى الداعمين والشركاء الذين اختاروا أن يثقوا بهذه الرحلة، وأن يمشوا معنا بإيقاعها.

نحنُ معاً مشينا مشوار ٢٠٢٥ مشواراً ثرياً في طريق وعرة. وبهذا الإيقاع من الثقة والتشاركية سنواصل. بهذه الروح سنتحرّك نحو عام آخر لا يهتزّ فيه إيماننا بأن قوّة الناس ليست احتمالاً، بل حقيقة تتشكّل أمامنا كل يوم.