
استيقظتُ الاثنين الماضي على خبر فوز لولا دا سيلفا في الانتخابات الرئاسية البرازيلية. وفي عالم تتسارع فيه انتصارات اليمين المتطرف، وتتراجع فيه المساحات الديمقراطية، وتتعاظم فيه سلطة المال والتكنولوجيا والنفوذ السياسي، بدا الخبر أكبر من مجرد نتيجة انتخابية. شعرتُ أننا أمام تذكير عميق بحقيقة نحاول أحياناً، تحت وطأة الهزائم المتراكمة، ألّا ننساها: أن الشعوب ليست عاجزة، وأن موازين القوى ليست قدراً ثابتاً، وأنّ الناس حين ينظّمون أنفسهم يستطيعون تغيير ما يبدو مستحيلاً.
ما جرى في البرازيل يستحق التأمل، ليس لأن لولا فاز فحسب، بل لأن فوزه جاء بعد خسارته الجولة الأولى أمام فلافيو بولسونارو، نجل الرئيس السابق جايير بولسونارو. ففي غضون ثلاثة أسابيع، انقلبت النتيجة، ليحصل لولا على 51.79% من الأصوات، مقابل 48.21% لمنافسه، بفارق تجاوز أربعة ملايين صوت. إنها عودة انتخابية غير مسبوقة في تاريخ البرازيل الديمقراطي الحديث.
لكن ما يهمني في هذه اللحظة ليس الاحتفاء بشخص لولا بقدر ما هو التفكير في القوة الاجتماعية والسياسية التي تجعل التحوّل ممكناً. فخلال الأسابيع الفاصلة بين الجولتين، تحوّل جزء أساسي من المعركة إلى الوصول إلى الناس، وإقناع المترددين، واستعادة من لم يصوّتوا، وتحويل القلق بشأن المعيشة والمستقبل إلى مشاركة سياسية. وقد ارتفعت نسبة المشاركة بين الجولتين، في مؤشر مهم على دور التعبئة الانتخابية، وإن كان ذلك وحده لا يكفي لتفسير كل أسباب الفوز.
وهنا يكمن الدرس الأعمق بالنسبة لي: التنظيم ليس مجرد وسيلة لحشد الناس في اللحظة الأخيرة، ولا مجرد أداة للفوز بالانتخابات. التنظيم هو عملية طويلة لبناء العلاقات والثقة والقيادة والقدرة الجماعية على الفعل. هو أن ينتقل الإنسان من الاعتقاد بأنه وحيد أمام منظومات ضخمة إلى إدراك أنه جزء من قوة تستطيع أن تتراكم وتتسع وتفرض خيارات جديدة. فالناس لا يكتشفون قوتهم عندما ينتصرون فقط؛ بل يبنون هذه القوة عندما يجتمعون، ويتحدثون، ويختلفون، ويتخذون القرارات، ويتحمّلون مسؤولية الفعل معاً.
ما يجعل التجربة البرازيلية أكثر إلهاماً هو أن الحديث عن قوة الناس لم يبقَ شعاراً. فقد تُرجم إلى ممارسات تنظيمية ملموسة، بعضها بدأ قبل الانتخابات بأشهر، وبعضها تكثّف بعد خسارة لولا الجولة الأولى. ومن أبرز هذه الممارسات:
في خطاب الانتصار، قارن لولا قوة أنصار الديمقراطية بقوة دول كبرى مثل الولايات المتحدة والصين وروسيا، معتبراً أن ما حققه الناس لا يقل أهمية عن أشكال القوة التقليدية. وهذا المعنى يستحق أن نتوقف عنده طويلاً. ففي زمن نقيس فيه القوة بحجم الثروات والجيوش والمنصات الرقمية، نكاد ننسى أن هناك قوة أخرى لا تُشترى ولا تُختزل في التكنولوجيا: قوة الناس الذين يدركون مصالحهم المشتركة، وينظّمون صفوفهم، ويؤمنون بقدرتهم على التأثير في مصيرهم.
لكن انتصار لولا لا يعني أن اليمين المتطرف قد هُزم اجتماعياً، ولا أن البرازيل تجاوزت انقساماتها العميقة. فحصول منافسه على أكثر من 48% من الأصوات، ورفضه الاعتراف بالنتيجة، يذكّراننا بأن الانتخابات قد تغيّر من يحكم، لكنها لا تفكك تلقائياً البنى التي تنتج الخوف والإقصاء واللامساواة. ولذلك، فإن السؤال الذي يلي الانتصار لا يقل أهمية عن السؤال الذي سبقه: كيف تتحول الطاقة الانتخابية إلى قوة شعبية منظّمة ومستدامة؟ وكيف يبقى الناس أصحاب القرار، لا مجرد ناخبين يُستدعون كل بضع سنوات؟
أفكر هنا أيضاً في منطقتنا العربية، وفي حركاتنا ومؤسساتنا ومبادراتنا التي تعمل وسط الحروب والقمع والتشرذم والإحباط. كم مرة اقتنعنا بأن موازين القوى أكبر منا؟ وكم مرة انشغلنا بالحفاظ على وجودنا إلى درجة ابتعدنا فيها عن بناء القوة مع الآخرين؟ وكم مرة تعاملنا مع الأمل بوصفه شعوراً ننتظره، لا ممارسة سياسية نصنعها؟
الأمل في التنظيم المجتمعي ليس تفاؤلاً ساذجاً، بل نتيجة لفعل جماعي منظّم. لا يولد من إنكار الواقع أو التقليل من قوة خصومنا، وإنما من قدرتنا على قراءة هذا الواقع، وتحديد مصالحنا المشتركة، وبناء التحالفات، وتطوير قيادات جديدة، وتحقيق انتصارات صغيرة تتراكم لتفتح الطريق أمام تغييرات أكبر. لهذا، لا أقرأ ما حدث في البرازيل باعتباره دعوة لانتظار قائد استثنائي ينقذ الناس، بل دعوة لإعادة الاعتبار إلى الناس أنفسهم بوصفهم صانعي التاريخ. فحتى القادة الذين يمتلكون تاريخاً نضالياً طويلاً لا يستطيعون إحداث التحولات وحدهم، ولا يمكن لأي انتصار انتخابي أن يكون بديلاً عن بناء قوة مجتمعية مستقلة وقادرة على المساءلة والاستمرار.
ثمة فكرة بقيت ترافقني بعد الاستماع إلى خطاب الانتصار: التاريخ هو أيضاً ما يتذكر الناس أنهم استطاعوا إنجازه معاً. فالانتصارات الجماعية لا تغيّر الواقع فقط، بل تغيّر تصور الناس عن أنفسهم، وعن حدود الممكن، وعن القوة التي يمتلكونها. وهذه ربما إحدى أهم نتائج التنظيم: أن يصبح الناس، بعد كل تجربة مشتركة، أكثر قدرة على تخيّل مستقبل مختلف، وأكثر استعداداً للنضال من أجله.
استيقظتُ في ذلك اليوم على خبر من البرازيل، لكنني وجدتُ نفسي أفكر فينا، وفي كل من يعملون على تنظيم الناس وبناء قوتهم في منطقتنا.
اليوم مقتنعة تماماً انّه لا ينبغي أن يغلبنا اليأس! ليس لأن الانتصار مضمون، بل لأن المستقبل لم يُحسم بعد. ولأن القوة ليست فقط في أيدي من يملكون المال والسلطة، بل يمكن أن تُبنى أيضاً بين أيدي الناس حين يقررون أن مصيرهم شأنٌ جماعي، وأنهم قادرون على تغييره معاً.